شهدت بداية العام الجديد تصاعدًا ملحوظًا في الدعوات إلى استبعاد إسرائيل من بينالي فينيسيا 2026، وذلك بعد أن تحولت الاحتجاجات التي بدأت في دورة 2024 إلى حملة ثقافية دولية واسعة النطاق. يطالب تحالف “Art Not Genocide Alliance” (ANGA) وغيره من النشطاء والمثقفين إدارة البينالي بمراجعة مشاركة إسرائيل في ظل استمرار الحرب في غزة، معتبرين أن ذلك يتعارض مع قيم المعرض المعلنة.
وتأتي هذه الدعوات في أعقاب احتجاجات واسعة النطاق خلال افتتاح الدورة الستين للبينالي في أبريل/نيسان 2024، حيث أثار وجود الجناح الإسرائيلي جدلاً حادًا وتصاعدت المطالبات باستبعاده. وقد أدت هذه التطورات إلى نقاش عالمي حول دور الفن والثقافة في مواجهة الأزمات السياسية والإنسانية.
الضغط الدولي يتزايد لاستبعاد إسرائيل من بينالي فينيسيا
نشّطت شبكات فنية وحقوقية، وعلى رأسها تحالف ANGA، حملاتها الرقمية والميدانية، مؤكدةً أن تمثيل دولة منخرطة في حرب مستمرة ضد المدنيين يتعارض مع مبادئ الحوار الإنساني وحرية التعبير التي يتبناها البينالي. وقد حظيت هذه الحملات بتأييد واسع من الفنانين والقيمين والأكاديميين في أوروبا وأمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية، الذين وقعوا على نداءات تطالب بتعليق المشاركة الوطنية الإسرائيلية حتى وقف العمليات العسكرية وضمان المساءلة القانونية.
شملت الأنشاق تنظيم وقفات احتجاجية رمزية أمام مؤسسات فنية مرتبطة بالبينالي في مدن ثقافية كبرى مثل برلين وباريس ولندن ونيويورك. ركزت هذه الوقفات على الربط المباشر بين الوضع في غزة وشرعية مشاركة إسرائيل في المحافل الثقافية الدولية. أكد منظمو هذه الفعاليات أنهم لا يستهدفون الفنانين كأفراد، بل الصيغة الرسمية للمشاركة الوطنية التي يعتبرونها بمثابة “غطاء ثقافي” لدولة متهمة بانتهاكات جسيمة.
رد إدارة البينالي والجدل المستمر
تمسكت إدارة بينالي فينيسيا بموقفها التقليدي، مؤكدةً في تصريحاتها أنها ليست جهة سياسية ولا تملك صلاحية استبعاد الدول المشاركة. وأوضحت أن مسؤولية اختيار الفنانين ومواقع العرض تقع على عاتق الجهات الوطنية. إلا أن هذه التصريحات لم تنهِ الجدل، بل زادت من حدته، خاصةً مع تسرب معلومات حول نقل الجناح الإسرائيلي من موقعه التاريخي في “جيارديني” إلى “أرسينال” بسبب أعمال ترميم.
فسّر معارضو المشاركة هذا النقل بأنه “تراجع رمزي” تحت الضغط، على الرغم من تقديمه رسميًا كإجراء تقني. هذا التغيير في الموقع أثار المزيد من الانتقادات، حيث يعتبر “جيارديني” موقعًا رمزيًا تاريخيًا للمشاركة الوطنية في البينالي.
تأتي هذه التطورات في سياق نقاش أوسع حول دور الفن والثقافة في التعبير عن المواقف السياسية والاجتماعية. فقد أصبحت المؤسسات الثقافية الدولية ساحة للتعبير عن الآراء والاحتجاجات المتعلقة بالقضايا العالمية، مما يثير تساؤلات حول حدود الحياد والاستقلالية في هذه المؤسسات. كما أن مصطلح **الفن المقاوم** (Art Resistance) يكتسب زخمًا في هذا السياق.
من غزة إلى البينالي: تحول الاحتجاجات
بدأت الاحتجاجات تتشكل في أعقاب الأحداث المتصاعدة في غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وقد أدت الصور والمعلومات المتداولة حول الأوضاع الإنسانية المتردية في غزة إلى إثارة مشاعر قوية لدى الفنانين والناشطين في جميع أنحاء العالم. وانتشرت عريضة إلكترونية تحت شعار “تحالف الفن لا الإبادة الجماعية” (ANGA) بسرعة، حيث جمعت أكثر من 12,500 توقيعًا من العاملين في المجال الثقافي.
واعتبر الموقعون على العريضة أن أي تمثيل رسمي لإسرائيل في البينالي هو دعم ضمني للعنف ضد المدنيين في غزة، مؤكدين أن المشاركة تعني التواطؤ مع المذابح المستمرة. واستندت العريضة إلى حكم مؤقت صادر عن محكمة العدل الدولية بشأن سلوك إسرائيل في غزة، معتبرةً أن حياد المؤسسات الفنية غير كافٍ في مواجهة المعاناة الجماعية. هذا الأمر يثير تساؤلات حول **المسؤولية الثقافية** (Cultural Responsibility) في أوقات الأزمات.
في المقابل، واجهت هذه المطالبات رفضًا من منظمي البينالي ومسؤولي الثقافة الإيطاليين، الذين أكدوا على أهمية الحفاظ على حرية الفكر والتعبير. إلا أن هذا الرفض لم يمنع استمرار الاحتجاجات وتصاعد الضغوط على إدارة البينالي. كما أن **الحرب على غزة** (Gaza War) أصبحت نقطة محورية في النقاشات الثقافية الدولية.
بحلول منتصف يناير/كانون الثاني 2026، لم تعد دعوات استبعاد إسرائيل مجرد بيانات احتجاجية، بل تحولت إلى ملف ضاغط داخل البنية الثقافية الدولية، يربط بشكل مباشر بين الوضع في غزة وشرعية تمثيل إسرائيل في المحافل الثقافية.
من المتوقع أن يستمر الجدل حول مشاركة إسرائيل في بينالي فينيسيا 2026 في الأشهر المقبلة، مع احتمال تصاعد الاحتجاجات والضغوط على إدارة البينالي. سيكون من المهم متابعة ردود فعل المؤسسات الثقافية الدولية الأخرى، وكذلك تطورات الوضع في غزة، حيث يمكن أن تؤثر هذه العوامل على قرار البينالي النهائي. الموعد النهائي لاتخاذ قرار بشأن مشاركة إسرائيل هو مايو/آيار 2026، وهو ما يترك مجالًا لمزيد من المفاوضات والاحتجاجات.












