تلجأ سينما الرعب إلى الحيوانات حين تسعى إلى تجسيد الخوف في صورته النهائية، فمن فيلم “الفك المفترس” إلى “كوجو”، يكرر هذا النوع طرح سؤاله المقلق: ماذا يحدث عندما يواجه الإنسان كارثة طبيعية لم يكن يتوقعها ولا يملك السيطرة عليها؟ فيلم “الرئيسيات” (Primate)، من إخراج يوهانس روبرتس، هو إضافة جديدة ومتقنة إلى هذا التقليد، ويقدم رعب الحيوانات في عصر مهووس بالأمان والترفيه. عُرض الفيلم في دور السينما في 9 يناير/كانون الثاني 2026، ويبدو وكأنه تعليق مباشر على أوهام السيطرة الحديثة.
يأتي الفيلم في سياق اهتمام متزايد بأفلام الرعب ذات الميزانيات المحدودة التي تركز على الأفكار المبتكرة والقصص المحكمة. في حين أن شهر يناير عادة ما يشهد إطلاق أفلام أقل تكلفة، إلا أن “الرئيسيات” حقق مفاجأة في شباك التذاكر، مما يشير إلى أن الجمهور يتوق إلى هذا النوع من الأفلام.
العودة إلى الأساسيات في أفلام الرعب
يشهد قطاع السينما، وخاصةً أفلام الرعب، تحولًا نحو “العودة إلى الأساسيات” (Back-to-Basics Horror)، حيث يركز صناع الأفلام على البناء الدرامي والوظيفة النفسية بدلاً من المبالغة في المؤثرات البصرية والتقنية. “الرئيسيات” يجسد هذا الاتجاه بوضوح، حيث يعتمد على التوتر المتصاعد والشعور بالعزلة لخلق تجربة مرعبة.
يتجنب الفيلم تعقيد الحبكة، ويقدم قصة مباشرة عن عائلة تقضي عطلة في منتجع معزول تقتني فيه شمبانزيًا. عندما يتعرض الشمبانزي لعضة، تبدأ الأمور في التدهور بسرعة، ويتحول المنتجع إلى ساحة صيد مرعبة. هذا التركيز على البساطة يسمح للفيلم بالتركيز على الجوانب النفسية للخوف.
انحدار نحو الفوضى: قصة الفيلم
تدور أحداث “الرئيسيات” حول عائلة تسعى إلى الاسترخاء في منتجع فاخر يوفر لهم شعورًا بالأمان والراحة. لكن هذا الشعور يتلاشى عندما يصاب الشمبانزي الأليف، “بن”، بداء الكلب، ويبدأ في إظهار سلوكيات عدوانية غير متوقعة. الفيلم يصور ببراعة كيف يتحول فضاء الأمان إلى فضاء للخطر والتهديد.
يركز الفيلم على التغيرات الطفيفة في سلوك “بن” في البداية، مما يزيد من التوتر والقلق. هذا الأسلوب يذكرنا بأفلام الرعب الكلاسيكية التي تعتمد على الترقب والإيحاء بدلاً من العنف الصريح. يستخدم المخرج روبرتس الإضاءة والصوت بفعالية لخلق جو من الخوف وعدم اليقين.
وهم السيطرة على الطبيعة
أحد أهم المواضيع التي يطرحها الفيلم هو وهم السيطرة الذي يعيشه الإنسان على الطبيعة. تؤمن العائلة بأن المودة والرعاية كافية لترويض الحيوان، لكنها سرعان ما تكتشف أن الطبيعة لا يمكن السيطرة عليها أو التنبؤ بها. هذا الدرس القاسي يذكرنا بأن الإنسان جزء من الطبيعة، وليس سيدًا عليها.
يستخدم الفيلم الشمبانزي “بن” كرمز للقوة البدائية والغرائزية التي لا يمكن قمعها. عندما يفقد “بن” السيطرة على نفسه، فإنه يمثل تهديدًا حقيقيًا للعائلة، ويكشف عن هشاشة وجودهم. الفيلم لا يصور “بن” كشرير، بل كضحية لمرض لا يمكن السيطرة عليه.
التركيز على الأداء والحركة الجسدية
بدلاً من الاعتماد على المؤثرات البصرية الحاسوبية، يركز “الرئيسيات” على الأداء القوي والحركة الجسدية للممثلين والحيوان. هذا النهج يمنح الفيلم واقعية مقلقة، ويزيد من تأثيره النفسي. يستخدم المخرج روبرتس لقطات قريبة وطويلة لإبراز تعابير الخوف واليأس على وجوه الشخصيات.
يتجنب الفيلم المونتاج السريع والموسيقى التصويرية الصاخبة، ويستخدم الصمت ببراعة لخلق جو من التوتر والقلق. هذا الأسلوب يسمح للمشاهدين بالانغماس في تجربة الرعب، والشعور بالخطر الوشيك. يستخدم الفيلم الصوتيات البيئية، مثل حفيف الأوراق وصراخ الحيوانات، لزيادة الشعور بالعزلة والتهديد.
من المتوقع أن تشهد الأيام القليلة القادمة زيادة في تحليل الفيلم من قبل النقاد والجمهور على حد سواء، مع التركيز على مدى نجاحه في تقديم رؤية جديدة لرعب الحيوانات. سيراقب الموزعون عن كثب أداء الفيلم في شباك التذاكر لتحديد ما إذا كان سيستمر عرضه في دور السينما أو سيتم إصداره رقميًا. يبقى أن نرى ما إذا كان “الرئيسيات” سيؤثر على الاتجاهات المستقبلية في صناعة أفلام الرعب.













