قررت شركة “سي إم إي سي جي إم” (CMA CGM) الفرنسية، وهي من كبرى شركات الشحن البحري في العالم، تقليص عمليات عبور السفن التابعة لها عبر قناة السويس، وتحويل مسارات ثلاث من خطوطها الملاحية الرئيسية إلى طرق بديلة. يأتي هذا القرار في ظل تقييم الشركة للمخاطر الجيوسياسية المتزايدة في المنطقة، والتي وصفتها بـ”السياق الدولي المعقد وغير المؤكد”.
أعلنت المجموعة، ومقرها مدينة مرسيليا، أن هذا الإجراء يمثل تعديلاً على خططها لتوسيع عمليات العبور المنتظمة عبر القناة، بعد فترة من التحسن النسبي في حركة الملاحة شهدتها المنطقة في أعقاب تراجع حدة الهجمات التي استهدفت السفن في البحر الأحمر أواخر عام 2023 وأوائل 2024.
تأثير التوترات الإقليمية على حركة الملاحة في قناة السويس
كانت شركات الشحن العالمية قد اضطرت في وقت سابق إلى تغيير مساراتها بشكل كبير، والتحول إلى طريق رأس الرجاء الصالح حول جنوب أفريقيا، وذلك ردًا على الهجمات التي نفذتها جماعة الحوثي في اليمن، والتي زعمت الجماعة أنها تأتي دعمًا للفلسطينيين خلال الحرب في غزة. أدى هذا التحويل إلى ارتفاع ملحوظ في تكاليف الشحن وتعطيل سلاسل الإمداد العالمية.
وعلى الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، والذي أثار آمالًا بعودة تدريجية لحركة الملاحة عبر هذا الممر التجاري الحيوي، إلا أن التوترات الإقليمية لا تزال قائمة. وقد شهدت المنطقة تصاعدًا في المخاوف الأمنية، خاصةً مع تزايد التوترات المرتبطة بإيران.
محاولات العبور المحدودة وتراجع الثقة
في الأسابيع الأخيرة، قامت شركة CMA CGM بتنفيذ عمليات عبور محدودة للقناة، مع الاستعانة بمرافقة بحرية لضمان سلامة السفن. وقامت الشركة بإرسال سفينتي حاويات كبيرتين عبر القناة كخطوة تمهيدية لبدء عمليات عبور منتظمة على خط يربط بين الهند والولايات المتحدة.
ومع ذلك، يبدو أن هذه المحاولات لم تنجح في استعادة ثقة الشركة بشكل كامل، حيث قررت CMA CGM تغيير مسار السفن المنتشرة على ثلاثة خطوط ملاحية، دون تقديم تفاصيل إضافية حول طبيعة المخاطر التي دفعتها إلى هذا التراجع.
تباين في ردود فعل شركات الشحن على الوضع في قناة السويس
في المقابل، أعلنت شركة ميرسك الدنماركية، ثاني أكبر شركة شحن حاويات في العالم، الأسبوع الماضي أنها تعتزم إعادة أحد خطوطها إلى البحر الأحمر وقناة السويس اعتبارًا من الشهر الجاري. يعكس هذا القرار تبايناً ملحوظاً في تقييم المخاطر بين شركات الشحن الكبرى.
وبشكل مماثل، أعلنت شركة هاباغ-لويد الألمانية أنها لن تعدل عملياتها في البحر الأحمر في الوقت الحالي. وتشير هذه الاختلافات إلى أن كل شركة تقوم بتقييم المخاطر بناءً على ظروفها الخاصة، واستراتيجياتها التشغيلية.
وتؤكد بيانات تحليلية من “لويدز ليست” المتخصصة في شؤون الشحن البحري أن شركات الشحن لا تزال تتعامل بحذر مع الملاحة في البحر الأحمر، على الرغم من انخفاض وتيرة الهجمات مقارنة بعام 2024. وتشير البيانات إلى أن تكاليف التأمين والمخاطر التشغيلية لم تعد بعد إلى مستوياتها الطبيعية، مما يؤثر على قرارات شركات الشحن.
وتشير تقارير صادرة عن “ستاندرد آند بورز غلوبال للنقل البحري” إلى أن بعض الخطوط الملاحية أعادت تنفيذ عمليات عبور محدودة عبر قناة السويس بشكل “تجريبي”، دون استئناف تشغيل كامل ومنتظم، وذلك في ظل استمرار تقييم المخاطر الأمنية والتأمينية.
وقدرت الخسائر التي تكبدتها قناة السويس خلال عامي 2024 و2025 بنحو 12 مليار دولار، وذلك بسبب تداعيات الحرب وتغيير مسارات العديد من الخطوط الملاحية، وفقًا لتصريحات رئيس الهيئة أسامة ربيع.
من المتوقع أن تستمر شركات الشحن في مراقبة الوضع الأمني في البحر الأحمر وقناة السويس عن كثب، وتقييم المخاطر بشكل مستمر. وستعتمد القرارات المستقبلية بشأن مسارات السفن على تطورات الأوضاع الإقليمية، وعلى فعالية الإجراءات الأمنية المتخذة لحماية السفن. يجب متابعة تطورات التوترات الإقليمية، وأي تغييرات في سياسات شركات الشحن الكبرى، لتقييم التأثير المحتمل على حركة التجارة العالمية.












