أثار إعلان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن مبادرة “مجلس السلام” ردود فعل متباينة على الساحة الدولية، وتحديداً في أوروبا. حيث يسعى ترامب، وفقاً لتصريحات وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو، إلى إنشاء هيئة بديلة للأمم المتحدة، مما يثير تساؤلات حول مستقبل النظام العالمي القائم ودور الأمم المتحدة في حل النزاعات.
جاءت تصريحات بريفو خلال حديثه لـ “يورونيوز” على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس يوم الثلاثاء، حيث أكد أن بلجيكا لم تتلق دعوة للانضمام إلى هذا المجلس، واصفاً المشروع بأنه “غير مقبول تماماً” ويمثل محاولة لإنشاء “مجلس شخصي خاص” بالرئيس ترامب. ووفقاً لتقارير إعلامية، يطلب ترامب من الدول الراغبة في الانضمام إلى “مجلس السلام” دفع رسوم بقيمة مليار دولار.
مبادرة “مجلس السلام” وتداعياتها على دور الأمم المتحدة
يثير هذا التوجه تساؤلات حول ما إذا كان “مجلس السلام” يهدف إلى أن يكون منافساً لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وهو الهيئة الرئيسية المسؤولة عن حفظ السلام والأمن الدوليين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ويرى مراقبون أن هذه المبادرة قد تعكس رغبة في إيجاد آلية أكثر فعالية وسرعة في الاستجابة للأزمات، ولكنها في الوقت نفسه قد تقوض أسس التعاون متعدد الأطراف التي تقوم عليها الأمم المتحدة.
وعلى الرغم من إقراره بوجود بعض أوجه القصور في الأمم المتحدة، شدد بريفو على أهمية العمل على إصلاحها من الداخل. وأشار إلى مبادرة “UN80” التي تهدف إلى دمج بعض الوكالات لزيادة كفاءة الأمم المتحدة. كما أضاف أن هناك إمكانية لفتح فرص جديدة للدول الإفريقية والآسيوية وأمريكا اللاتينية داخل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
ردود فعل أوروبية متباينة
تصريحات ترامب أثارت توتراً إضافياً بين الولايات المتحدة وبعض حلفائها الأوروبيين، خاصةً في ظل الخلافات القائمة حول قضايا أخرى مثل التهديدات المتصاعدة بشأن الاستيلاء على غرينلاند ورفض استبعاد استخدام القوة العسكرية. وقد أعلنت فرنسا، على الرغم من تلقيها دعوة، أنها لا تنوي الانضمام إلى “مجلس السلام” في الوقت الحالي، وفقاً لمسؤول فرنسي مقرب من الرئيس ماكرون.
ورد ترامب على موقف ماكرون بتصريح للصحفيين، قائلاً إن “لا أحد يريده لأنه سيخرج من المنصب قريباً جداً”. وأضاف أنه قد يفرض رسوماً جمركية بنسبة 200% على الخمور والشمبانيا الفرنسية، مما قد يدفع ماكرون إلى الانضمام، لكنه أكد أن ذلك ليس ضرورياً.
وفي سياق متصل، أكد بريفو على ضرورة أن تركز أوروبا على تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية، خاصةً في المجالات العسكرية والتكنولوجية والطاقة. وأشار إلى أن الاعتماد المفرط على الأمن الذي توفره الولايات المتحدة قد يؤدي إلى إضعاف أوروبا. وأضاف أن بلجيكا تعمل على تحسين صورتها في هذا الصدد، بعد أن واجهت صعوبات في تحقيق أهداف الإنفاق الدفاعي التي حددها حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وأوضح بريفو أن بلجيكا حققت هدف تخصيص 2% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي العام الماضي، وأنها ستواصل زيادة هذا الإنفاق في المستقبل. ويعتبر هذا التحول جزءاً من جهود أوسع لتعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة في مجال الأمن. وتشمل هذه الجهود أيضاً تطوير التعاون العسكري بين الدول الأوروبية وتعزيز صناعة الدفاع الأوروبية.
تأتي هذه التطورات في ظل سعي متزايد من قبل بعض القوى العالمية لإعادة تشكيل النظام الدولي، وتحديداً في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه الأمم المتحدة في التعامل مع الأزمات المعاصرة. وتشمل هذه التحديات صعود قوى جديدة، وتزايد التوترات الجيوسياسية، وتفاقم التحديات العالمية مثل تغير المناخ والإرهاب.
من المتوقع أن تكشف الولايات المتحدة عن قائمة أعضاء “مجلس السلام” خلال الأيام القليلة القادمة، ربما على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس الذي يستمر حتى 23 يناير. وسيراقب المراقبون عن كثب ردود الفعل الدولية على هذه القائمة، وما إذا كانت ستؤدي إلى مزيد من التوتر بين الولايات المتحدة وحلفائها. كما سيتابعون تطورات الموقف الفرنسي، وما إذا كان الرئيس ماكرون سيغير موقفه في ضوء التطورات الأخيرة.













