في روسيا، حيث تتجاوز مساحة الغابات حدود التصور، وتضم ما يقارب 642 مليار شجرة، يمثل الغلاف الأخضر عنصراً أساسياً في الهوية الوطنية والتاريخ. يستكشف كتاب “البلوط والأرز: تاريخ روسيا عبر أشجارها” للكاتبة صوفي بينكهام العلاقة المعقدة بين الشعب الروسي والغابات الروسية، مُبرزاً كيف شكّلت هذه الغابات ملاذاً، ومصدر إلهام، وأداة سياسية على مر العصور.
تأخذنا بينكهام في رحلة عبر التاريخ الروسي، ولكن من منظور فريد: منظور الأشجار. تتناول الكتاب كيف انعكست التغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية في روسيا على الغابات، وكيف أثرت الغابات بدورها على مسار التاريخ. نشر الكتاب في 17 يناير 2026، ويقدم تحليلاً جديداً للعلاقة بين الإنسان والطبيعة في روسيا.
تاريخ روسيا من خلال الغابات الروسية
توضح بينكهام أن الغابة لم تكن مجرد خلفية للأحداث التاريخية، بل كانت فاعلاً رئيسياً فيها. ففي العصور القديمة، كانت الغابات ملاذاً للمتمردين والمنشقين، الذين سعوا إلى الهروب من سلطة الدولة المركزية. لاحقاً، أصبحت الغابات مصدراً مهماً للموارد الطبيعية، مثل الأخشاب والحيوانات، مما أدى إلى استغلالها بشكل مكثف.
وتشير الكاتبة إلى أن مفهوم “الغابة” يختلف باختلاف المناطق في روسيا. ففي روسيا الأوروبية، يمثل “البلوط” رمزاً للتقاليد العريقة والقيم الراسخة، بينما ترمز “أشجار الأرز” في سيبيريا إلى البرية والغموض والفرص الجديدة. هذا التباين يعكس التنوع الثقافي والجغرافي لروسيا.
دور الغابات في الثقافة الروسية
لطالما احتلت الغابة مكانة مرموقة في الأدب والفن الروسي. فقد استلهم العديد من الكتاب والشعراء من جمال الغابة وسحرها، واستخدموها كرمز للحرية والانعزال والعودة إلى الطبيعة. من بين هؤلاء الأدباء ليو تولستوي الذي سعى لزراعة آلاف الشتلات، وأثرت الغابات على أعماله بشكل كبير.
وتستعرض بينكهام قصة عائلة “ليكوف”، التي عاشت في عزلة تامة داخل غابات سيبيريا لمدة 44 عاماً، كدليل على قدرة الإنسان على التكيف مع الظروف القاسية والعيش في وئام مع الطبيعة. تُظهر هذه القصة أيضاً كيف يمكن للغابة أن تحافظ على الثقافة والتقاليد في وجه التغيرات السريعة.
الاستغلال والتحديات البيئية
على الرغم من أهميتها الثقافية والبيئية، تعرضت الغابات الروسية للاستغلال المفرط على مر التاريخ. ففي العهد السوفيتي، تم قطع الأشجار بشكل عشوائي لتلبية احتياجات الصناعة والبناء، مما أدى إلى تدهور كبير في البيئة. كما أدت السياسات الزراعية الخاطئة إلى تدمير مساحات واسعة من الغابات.
وتشير بينكهام إلى أن التحديات البيئية التي تواجه الغابات الروسية لا تزال قائمة حتى اليوم، بما في ذلك حرائق الغابات والتلوث وتغير المناخ. وتدعو إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية هذه الموارد الطبيعية الثمينة.
القومية البيئية والاتجاهات الحديثة
تتناول بينكهام أيضاً صعود ما تسميه “القومية البيئية” في روسيا، وهي حركة تجمع بين الدفاع عن البيئة والقومية الروسية. وتحذر من أن هذه الحركة يمكن أن تستخدم الغابة كرمز للهوية الوطنية الحصرية، مما قد يؤدي إلى تفاقم التوترات العرقية والسياسية.
وتشير إلى أن بعض الكتاب والمفكرين الروس يستخدمون الغابة لتبرير سياساتهم المتطرفة، مثل ضم الأراضي أو قمع المعارضة. وتدعو إلى التمييز بين الدفاع الحقيقي عن البيئة واستغلالها لأغراض سياسية.
التنوع البيولوجي في الغابات الروسية يمثل أيضاً تحدياً، حيث تتطلب حماية كل نوع من أنواع النباتات والحيوانات جهوداً متواصلة.
من المتوقع أن يثير كتاب بينكهام نقاشاً واسعاً حول مستقبل الغابات الروسية ودورها في تشكيل الهوية الوطنية الروسية. من المرجح أن تشهد الأشهر القادمة المزيد من الدراسات والتحليلات حول هذا الموضوع، بالإضافة إلى مبادرات جديدة لحماية الغابات وتعزيز التنمية المستدامة. يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت روسيا ستتمكن من تحقيق التوازن بين استغلال مواردها الطبيعية وحماية بيئتها للأجيال القادمة.













