أكد العميد إلياس حنا، الخبير العسكري والإستراتيجي، أن تجدد الاشتباكات في محيط سجن الأقطان والفرقة 17 بمحافظة الحسكة شمال شرق سوريا يعود إلى محاولات من بعض الأطراف لتهريب عناصر من حزب العمال الكردستاني (بي كي كي) من المنطقة. وتأتي هذه التطورات في ظل حالة من التوتر وعدم الاستقرار تشهدها المنطقة، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الأمن في شمال شرق سوريا.
وصف حنا التراجع الحالي لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) نحو منطقة القامشلي، الواقعة على الحدود مع تركيا، بأنه “انسحاب دفاعي تكتيكي” يهدف إلى الحفاظ على مراكز قوتها الأساسية. ويأتي هذا الانسحاب بعد فترة من التصعيد والاشتباكات المتفرقة مع فصائل أخرى في المنطقة، مما يعكس تعقيد المشهد الأمني والسياسي.
الوضع الأمني في الحسكة والقامشلي
أوضح حنا، في تحليل للمشهد العسكري السوري، أن اتفاق وقف إطلاق النار المكون من 14 نقطة يواجه صعوبات كبيرة في التنفيذ الفعلي، على الرغم من سهولته الظاهرية. ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى “أزمة الثقة” المستمرة بين الأطراف المتنازعة، بالإضافة إلى غياب آليات ميدانية فعالة لضمان الالتزام بالبنود المتفق عليها، مثل لجان المراقبة والمحاسبة.
وأضاف أن هذه الصعوبات تعيق تحقيق الاستقرار المنشود وتزيد من احتمالات تجدد العنف في أي لحظة. وتشكل السيطرة على سجن الأقطان، الذي يضم عدداً كبيراً من المعتقلين المرتبطين بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، نقطة اشتعال رئيسية في المنطقة.
التدخلات الإقليمية والدولية
على الصعيد الإستراتيجي، تحدث حنا عن وجود ما وصفه بـ”الضوء البرتقالي” الأميركي في المنطقة، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة والقيادة المركزية لا ترغبان في هزيمة قسد بشكل كامل. لكنهما في الوقت ذاته تسعيان إلى دمجها أو إبقائها ضمن مظلة الدولة السورية، بهدف تحقيق نوع من الاستقرار طويل الأمد.
وتعتبر هذه السياسة الأمريكية المتوازنة مصدراً للغموض والارتباك بالنسبة للأطراف الأخرى في المنطقة، حيث يخشى البعض من أن الولايات المتحدة تسعى إلى تغيير موازين القوى لصالح قسد. بينما يرى آخرون أن الولايات المتحدة تحاول فقط حماية مصالحها الخاصة في سوريا.
تحديات الأمن المستقبلي في سوريا
أشار حنا إلى أن الخلافات الحالية لا تتعلق بالتوجه الإستراتيجي العام لقيادة قسد، بل هي تباينات داخلية حول تفاصيل تكتيكية ميدانية. وتتعلق هذه التباينات بشكل رئيسي بكيفية التعامل مع التهديدات الأمنية المتزايدة في المنطقة، وكيفية توزيع الموارد المتاحة بين مختلف الفصائل.
وفيما يخص الترتيبات الأمنية المستقبلية، أوضح حنا أن محافظتي الرقة ودير الزور باتتا تحت السيطرة الكاملة للجيش السوري، بينما ستُمنح مناطق الحسكة وكوباني وضعاً خاصاً. ومن المتوقع أن يُوكل الأمن الداخلي في هذه المناطق إلى سلطات محلية لمراعاة الحساسيات القائمة، على أن تتبع المناطق المحيطة بها لوزارة الداخلية والجيش السوري. هذا الترتيب يهدف إلى تحقيق نوع من التوازن بين مطالب الأطراف المختلفة والحفاظ على وحدة الأراضي السورية.
وأعرب حنا عن قلقه من خطورة الوضع حول السجون، مؤكداً أن محاولات حزب العمال الكردستاني السيطرة أو التلاعب بملف السجون تصنف كـ”جريمة حرب” بموجب القانون الدولي. هذا التصنيف يزيد من تعقيد المشهد الأمني في شمال شرق سوريا، ويجعل الانسحاب نحو القامشلي محاولة لجمع القوى في المناطق الأكثر حيوية لـقسد. كما أن استمرار وجود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) يمثل تهديداً كبيراً للأمن والاستقرار في المنطقة.
من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة مزيداً من المفاوضات بين الأطراف المتنازعة، برعاية روسية وأمريكية، بهدف التوصل إلى حلول مستدامة للأزمة الأمنية في شمال شرق سوريا. ومع ذلك، لا يزال مستقبل الأمن في شمال شرق سوريا غامضاً، ويتوقف على قدرة الأطراف المختلفة على التغلب على أزمة الثقة وتحقيق التوافق حول الترتيبات الأمنية المستقبلية. يجب مراقبة تطورات الوضع في سجن الأقطان، والتحركات العسكرية لقسد، ومواقف القوى الإقليمية والدولية، لتقييم المخاطر والفرص المتاحة.













