في السنوات الأخيرة، شهد الأدب تحولاً ملحوظاً، حيث لم تعد الرواية مجرد بناء تخييلي يُقيّم بجمالياته، بل أصبحت خاضعة للفحص والتدقيق بحثاً عن الوقائع والأسرار التي تكشفها، وحتى عن الأشخاص الحقيقيين الذين قد يكونون مصدر إلهام لها. هذا التحول أدى إلى ظهور ما يُعرف بـ “التخييل الذاتي” (Autofiction) وفتح الباب لنقاشات حادة حول العلاقة بين الأدب والخصوصية، وبين الخيال والحقيقة.
أصبح دور النشر يروج بشكل متزايد لهذه الأعمال باعتبارها “قصصاً حقيقية تقريباً”، مما يزيد من الضغط على الكتّاب ويضعهم في مواجهة مباشرة مع أولئك الذين قد يشعرون بالضرر من خلال تصويرهم في الروايات. هذا التوجه لا يعكس بالضرورة تحول جميع الأعمال الأدبية إلى سير ذاتية، بل يعكس حالة من الجفاف في أرض الخيال، حيث يجد بعض الكتّاب أن الواقع أكثر غرابة وإثارة من أي خيال يمكن أن يصنعوه.
الجدل حول التخييل الذاتي والخصوصية في الأدب
تكتسب هذه الظاهرة حساسية خاصة في المجتمعات العربية، حيث قد يُنظر إلى الكتابة الذاتية على أنها محاولة للتهرب من المسؤولية الاجتماعية. فكتابة قصة بضمير المتكلم قد تُقرأ على أنها اعتراف شخصي، وبالتالي فإن الكاتب قد يُحاسب اجتماعياً بشكل صارم.
رواية “بنات الرياض” للكاتبة السعودية رجاء الصانع، والتي صدرت عام 2005، أثارت جدلاً واسعاً حول “كشف المستور” وإمكانية التعرف على الشخصيات التي وردت في الرواية. تساءلت الصحافة حينها عن حدود حرية التعبير وعلاقتها بالتشهير، واتهمت العمل بأنه “مهيأ للضجيج”.
نجحت “بنات الرياض” في فتح نقاش غير مسبوق حول حدود السرد الاجتماعي والخصوصية في مجتمع محافظ. الاهتمام بالرواية لم يكن بسبب قيمتها الأدبية فحسب، بل بسبب الاشتباه في واقعية الشخصيات، مما جعلها موضوعاً للمناقشة المجتمعية قبل الأدبية. هذا يثير سؤالاً أساسياً: هل تُقيّم الرواية بمدى صدقها أم بجمالها الفني؟
لم تكن هذه الظاهرة حكراً على الأدب العربي. ففي فرنسا، واجهت الكاتبة كريستين أنغو حكمًا قضائيًا في عام 2013 بسبب روايتها “الصغار” (Les Petits)، والتي اتُهمت بانتهاك الخصوصية من خلال تصويرها لحياة أسرة بشكل يمكن التعرف عليها.
أمثلة عالمية وتداعيات قانونية
تعتبر سلسلة “كفاحي” (My Struggle) للكاتب النرويجي كارل أوفه كناوسغارد نقطة تحول عالمية في هذا السياق. فقد أثارت الرواية غضب بعض أفراد عائلته الذين هددوا برفع دعاوى قضائية ضده، مما دفعه إلى تغيير بعض الأسماء في الأجزاء اللاحقة. أقر كناوسغارد في حوارات صحفية بأنه كان يتوقع هذا الغضب، لكنه أصر على كتابة حياته وحياة الآخرين بصدق.
وفي يناير/كانون الثاني 2024، أثارت رواية “المروّجة” (La Propagandiste) للكاتبة الفرنسية سيسيل ديبري عاصفة من النقد، بل وصلت إلى المحاكم. قام أقارب الكاتبة، وهم شقيقها وابن عمها، برفع دعوى تشهير ضدها، معتبرين أن الرواية تتضمن وقائع يمكن أن تؤدي إلى التعرف على أفراد العائلة بسهولة، وتتهمهم بالتعاون مع النازيين.
طالبت الأسرة بسحب الكتاب، بينما دافعت الكاتبة عن عملها باعتباره رواية تستلهم ذاكرة الطفولة. هذه القضية، مثل غيرها، تبرز التوتر المتزايد بين حرية التعبير وحماية الخصوصية.
مستقبل الرواية: بين الواقع والخيال
لقد تحول مصطلح “التخييل الذاتي”، الذي صاغه سيرج دوبروفسكي في عام 1977، من اقتراح لتحرير السرد إلى أداة تسويق قوية. أصبح الإفصاح عن الحياة الشخصية وعداً ترويجياً، والاعتراف قيمة يمكن تداولها.
يرى البعض أن هيمنة السيرة الذاتية تقلص أفق الرواية، وتحولها إلى شهادة فردية محمية أخلاقياً من النقد. في المقابل، يرى آخرون أن الخيال لم يمت، بل أعاد تعريف نفسه داخل الواقع، وأن تفكيك الذاكرة وبناء “حقيقة مركبة” هو شكل جديد من أشكال التخييل. هذا النقاش لا يتعلق فقط بشرعية الكتابة عن الذات، بل بتحولها إلى الشكل المهيمن وإزاحة الرواية المتخيلة الخالصة.
مع تزايد الاهتمام بالوقائع والأسرار، قد نشهد المزيد من الدعاوى القضائية والمواجهات القانونية بين الكتّاب وأولئك الذين يشعرون بالضرر من تصويرهم في الأعمال الأدبية. في الوقت نفسه، من المرجح أن يستمر النقاش حول حدود حرية التعبير وأهمية حماية الخصوصية. يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستتمكن الرواية من استعادة توازنها الدقيق بين الواقع والخيال، أم ستستمر في التحول إلى محكمة اعتراف؟
المصدر: الجزيرة + الفرنسية + الصحافة الأجنبية













