تزايدت المخاوف بشأن انتشار الأخبار المضللة والتلاعب بالرأي العام في عالم السياسة، وهو موضوع تناولته الأفلام السينمائية منذ عقود. فيلم “ذيل الكلب” (Wag the Dog) الصادر عام 1997، والذي أعيد النظر فيه مؤخرًا، يقدم رؤية استشرافية مقلقة حول كيفية استخدام السلطة لإنشاء سرديات وهمية لصرف الانتباه عن القضايا الحقيقية، مما يثير تساؤلات حول مصداقية المعلومات التي نتلقاها في العصر الحديث، وأهمية التلاعب الإعلامي في تشكيل الوعي العام.
الفيلم، الذي يدور حول رئيس أمريكي متورط في فضيحة جنسية يلجأ إلى منتج هوليوودي لابتكار حرب وهمية، يلقي الضوء على الآليات التي يمكن من خلالها استغلال وسائل الإعلام لخلق انطباعات كاذبة والتأثير على الرأي العام. هذه القصة، التي بدت في البداية مبالغة ساخرة، تبدو اليوم أقرب إلى الواقع، خاصة مع التقدم التكنولوجي الذي يتيح إنتاج صور ومقاطع صوتية مزيفة بسهولة.
أهمية فهم التلاعب الإعلامي في السياسة المعاصرة
تكمن قوة “ذيل الكلب” في قدرته على كشف الطريقة التي تعمل بها السلطة عندما يصبح “الكذب” أداة أساسية لإدارة الأزمات. الفيلم يوضح كيف يمكن استخدام الاستوديوهات وغرف المونتاج والمؤتمرات الصحفية لإنشاء حرب وهمية، وكيف يمكن للرئيس أن يعلن عن “ألبانيا” كعدو دون الحاجة إلى النظر في خريطة أو فهم طبيعة الأزمة. هذا يعكس حالة من اللامبالاة والتركيز على السردية العاطفية القوية، بغض النظر عن الحقائق.
يركز السيناريو على البساطة والسرعة، مع حوارات مقتضبة وصور قوية، مما يعكس طبيعة الحملات الإعلامية السياسية التي تعتمد على التأثير السريع والمباشر على المشاعر. يُظهر الفيلم كيف يمكن للتركيز على الجانب العاطفي أن يطغى على التفكير النقدي والتحقق من المصداقية.
الحرب في الاستوديو: انعكاس للواقع
لا يقتصر الفيلم على تصوير التلاعب الإعلامي، بل يمتد ليشمل نقدًا للثقافة الاستهلاكية والتركيز على المظاهر الخارجية. فالحرب الوهمية يتم الترويج لها كما لو كانت سلعة تجارية، مع التركيز على الجوانب البصرية والإعلانية. هذا يعكس كيف يمكن تحويل القضايا السياسية المعقدة إلى مجرد عروض ترفيهية تهدف إلى جذب الانتباه.
يُظهر الفيلم أيضًا كيف يمكن للمصالح الشخصية أن تتغلب على الاعتبارات الأخلاقية. فالرئيس ومستشاره لا يهتمان بالحقائق أو العواقب، بل يركزان فقط على حماية سمعتهما وتحقيق أهدافهما السياسية. هذا يعكس حالة من الانحلال الأخلاقي التي قد تصاحب ممارسة السلطة.
يُعد إخراج باري ليفنسون بمثابة إخراج سياسي بامتياز، حيث يركز على الدقة والتوازن في تقديم الأحداث. لا يوجد إسراف بصري أو سخرية مبالغ فيها، بل يتم تقديم المشاهد بطريقة واقعية وموضوعية. هذا يعزز من قوة الفيلم ويجعله أكثر إقناعًا.
اعتمد الفيلم على إيقاع سريع في المونتاج، مما يعكس طبيعة الحملات الإعلامية السياسية التي تعتمد على التصعيد العاطفي السريع. كما استخدم الموسيقى بشكل فعال لخلق جو من التوتر والإثارة، وللتأكيد على الجوانب العاطفية للسردية. هذا يعكس كيف يمكن استخدام الأدوات الفنية للتأثير على المشاعر والتلاعب بالعقول.
الصدى المستمر لـ “ذيل الكلب” في المشهد الإعلامي الحالي
مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتطور تقنيات التزييف العميق (Deepfake)، أصبحت قدرة التلاعب بالمعلومات أكثر سهولة وفاعلية. هذا يزيد من أهمية فهم الآليات التي يوضحها فيلم “ذيل الكلب”، ويحتم علينا تطوير مهارات التفكير النقدي والتحقق من المصداقية. تتزايد الحاجة إلى مصادر إخبارية موثوقة ومستقلة، وإلى جهود مكافحة الأخبار المضللة.
تُظهر العديد من الأحداث السياسية الحديثة كيف يمكن استخدام التلاعب الإعلامي لصرف الانتباه عن القضايا الحقيقية، أو لتشويه سمعة المعارضين، أو لخلق حالة من الفوضى والارتباك. هذا يؤكد أن الفيلم لم يكن مجرد خيال علمي، بل كان تحذيرًا مبكرًا من المخاطر التي تهدد الديمقراطية في العصر الرقمي.
في المستقبل القريب، من المتوقع أن تزداد التحديات المتعلقة بالتلاعب الإعلامي، مع تطور التقنيات وزيادة انتشار المعلومات المضللة. من الضروري أن تستمر الحكومات ووسائل الإعلام والمجتمع المدني في العمل معًا لمواجهة هذه التحديات، وحماية الحق في الحصول على معلومات دقيقة وموثوقة. يجب أن نراقب عن كثب التطورات التكنولوجية وتأثيرها على المشهد الإعلامي، وأن نكون مستعدين للتكيف مع التغيرات المستمرة.













