تشهد السينما العالمية تحولاً ملحوظاً في تصوير الشخصية الذكورية، حيث تتخلى الأفلام الحديثة تدريجياً عن نماذج البطولة التقليدية لصالح شخصيات أكثر تعقيداً وهشاشة، تعكس صراعات داخلية عميقة. هذا التحول في الرجولة السينمائية يعيد تعريف مفهوم القوة والضعف، ويطرح تساؤلات حول الهوية الذكورية في القرن الحادي والعشرين.
هذا التوجه لم يظهر فجأة، بل تراكم عبر السنوات العشرين الماضية، مدفوعاً بتغيرات اجتماعية وثقافية أثرت على نظرتنا إلى الأدوار التقليدية للجنسين. وتظهر هذه التغيرات بوضوح في أفلام حازت على تقدير النقاد والجمهور على حد سواء، مما يشير إلى رغبة متزايدة في استكشاف جوانب جديدة من التجربة الإنسانية، بعيداً عن القوالب النمطية.
تفكيك نموذج البطل التقليدي في السينما
لم تعد السينما تحتفي بالرجل القوي الذي لا يقهر، بل تركز على الرجال الذين يعانون من الاغتراب، والعجز عن التعبير عن مشاعرهم، والصراع مع ماضيهم. هؤلاء الرجال “الجدد” يواجهون تحديات الحياة بشعور بالضعف والهشاشة، بعيداً عن فكرة النصر المطلق التي كانت تميز الأبطال في الأفلام القديمة. هذا التحول يعكس أيضاً اعترافاً متزايداً بأهمية الصحة النفسية للرجال، وضرورة التخلص من وصمة العار المرتبطة بطلب المساعدة.
ثلاثة أفلام تعتبر محورية في هذا السياق: “مانشستر عبر البحر” (Manchester by the Sea) الصادر عام 2016، و”بعد الشمس” (Aftersun) الصادر عام 2022، و”المصارع” (The Wrestler) الصادر عام 2008. كل من هذه الأفلام يقدم رؤية مختلفة للرجولة في لحظة انهيار، ويكشف عن الجروح العميقة التي تخفيها الشخصيات الذكورية.
الرجولة كجرح عتيق في “مانشستر عبر البحر”
في فيلم “مانشستر عبر البحر”، للمخرج كينيث لونيرغان، تتحول الرجولة إلى جرح لا يندمل. الشخصية الرئيسية، لي تشاندلر، تجسد هذا الانهيار الداخلي من خلال لغة جسده المنطوية، وصمته العميق، وعجزه عن التواصل العاطفي. الفيلم لا يركز على الحدث المأساوي الذي دمر حياة لي، بل على ما بعد الكارثة، وكيف يتعامل مع الألم والفقدان.
مشهد وقوف لي في مطبخ أخيه، وهو يستمع إلى ابن أخيه المراهق، يعتبر من أكثر المشاهد إيلاماً في الفيلم. هذا المشهد يبرز عزلة لي العاطفية، وعدم قدرته على التواصل مع الآخرين، حتى مع أقرب الناس إليه. الفيلم يوضح أن الرجولة لا تقتصر على القوة والشجاعة، بل تتطلب أيضاً القدرة على الاعتراف بالضعف، وطلب المساعدة.
الاكتئاب المكبوت في “بعد الشمس”
فيلم “بعد الشمس” للمخرجة شارلوت ويلز، يقدم صورة مختلفة للرجولة، حيث تتلاشى القوة الذكورية بهدوء تحت وطأة الاكتئاب المكبوت. كالوم، الأب الشاب، يحاول جاهداً أن يكون أباً صالحاً، لكنه يخفي وراء مظهره اللطيف يأسًا عميقًا. الفيلم يركز على التوتر بين ما يظهره كالوم للعالم، وما يشعر به داخلياً.
مشهد كالوم وهو يقف وحيداً على شرفة الفندق، يدخن بهدوء، يجسد هذا التوتر بشكل مؤثر. هذا المشهد يظهر رجلاً يكافح من أجل الحفاظ على مظهره الهادئ، بينما ينهار من الداخل. الفيلم يوضح أن الرجولة ليست مجرد أداء، بل هي صراع داخلي مستمر.
تحطم الجسد وانهيار الرجولة في “المصارع”
في فيلم “المصارع”، للمخرج دارين أرونوفسكي، تتحطم الرجولة بعنف بعد انهيار الجسد الذي كان يحملها. راندي روبنسون، المصارع السابق، يجد نفسه في نهاية مسيرته المهنية، جسده متدهور، وحياته مليئة بالندم. الفيلم يصور الرجولة كأداء يتجاوز عمر مؤديه، وكيف يمكن أن يؤدي فقدان القوة الجسدية إلى فقدان الهوية الذاتية.
مشهد راندي وهو يزيل الشريط اللاصق عن معصميه في غرفة تبديل الملابس، يكشف عن الجروح العميقة التي خلفها عالم المصارعة على جسده وروحه. هذا المشهد يظهر رجلاً فقد أسطورته، ويكافح من أجل استعادة صورته.
مستقبل تصوير الرجولة في السينما
إن إعادة تصور الرجولة في السينما المعاصرة ليست مجرد تغيير في الأسلوب، بل هي انعكاس لتحول ثقافي أعمق. الأفلام التي تتناول هذه القضية تفتح الباب أمام حوارات جديدة حول الهوية الذكورية، والصحة النفسية، والعلاقات الإنسانية. من المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه في السنوات القادمة، وأن نشهد المزيد من الأفلام التي تقدم شخصيات ذكورية أكثر تعقيداً وواقعية. ويبقى السؤال مفتوحاً حول كيف ستتطور هذه الصورة، وما هي التحديات الجديدة التي ستواجهها الرجولة في المستقبل.












