في صفقة تاريخية أثارت جدلاً واسعاً، استحوذت شركة أبل على شركة كيو إيه آي الإسرائيلية الناشئة مقابل ما يتراوح بين 1.5 و 2 مليار دولار. هذه الصفقة، التي تتعلق بتقنية **الكلام الصامت**، تضعنا على أعتاب حقبة جديدة في التفاعل بين الإنسان والآلة، وتثير تساؤلات حول الخصوصية والأمن. وقد تم الإعلان عن هذه الخطوة في 18 فبراير 2024، مما أثار اهتماماً عالمياً واسعاً.
تأتي هذه الخطوة في وقت تسعى فيه شركات التكنولوجيا الكبرى إلى تطوير واجهات مستخدم أكثر سلاسة وبديهية. تعتبر كيو إيه آي رائدة في مجال التقاط الأفكار قبل التعبير عنها لفظياً، وهو ما يمثل نقلة نوعية في طريقة تفاعلنا مع الأجهزة الذكية. الشركة، التي تأسست قبل ثلاث سنوات فقط، لم تحقق أي إيرادات معلنة حتى الآن، لكن قيمتها ارتفعت بشكل كبير بفضل هذه التقنية المبتكرة.
ما هي تقنية الكلام الصامت؟
تعتمد تقنية **الكلام الصامت** على رصد الإشارات العصبية الدقيقة التي يرسلها الدماغ إلى عضلات الوجه قبل النطق. بدلاً من استخدام أقطاب كهربائية معقدة، طورت كيو إيه آي مشبكاً صغيراً يوضع حول الأذن، يقوم بإسقاط ضوء غير مرئي على البشرة لرسم خريطة دقيقة لتشنجات العضلات. هذه الخريطة يتم تحليلها باستخدام خوارزميات تعلم آلي متطورة لتحويلها إلى أوامر رقمية.
كيف تعمل عملية الرصد؟
تستطيع هذه التقنية التقاط الإشارات العصبية بسرعة تصل إلى 500 إطار في الثانية، مما يسمح بتحليل دقيق وسريع للأفكار قبل التعبير عنها. هذا يعني أن الهاتف الذكي أو أي جهاز آخر مزود بهذه التقنية يمكنه “فهم” ما ستقوله قبل أن تنطق به فعلياً. تعتبر هذه القدرة ثورة في مجال التفاعل بين الإنسان والآلة، حيث تقلل بشكل كبير من التأخير وتزيد من كفاءة التواصل.
هذا الاستحواذ يمثل ثاني أكبر صفقة في تاريخ أبل، بعد الاستحواذ على شركة بيتس عام 2014. والجدير بالذكر أن مؤسس كيو إيه آي، أفياد ميزيلز، سبق له أن باع تقنية الاستشعار ثلاثي الأبعاد لشركة أبل عام 2014، وهي التقنية التي استخدمت في تطوير خدمة Face ID. هذا يشير إلى الثقة الكبيرة التي تضعها أبل في قدرات ميزيلز وفريقه.
ومع ذلك، أثارت هذه الصفقة مخاوف أمنية واستخباراتية. فقد أعلنت وكالة الأبحاث الدفاعية الإسرائيلية “مفات” أنها تعمل على تطوير تقنية مماثلة لتمكين الجنود من التواصل في الميدان دون إصدار أي صوت. وهذا يثير احتمال استخدام هذه التقنية في تطبيقات عسكرية وأمنية، مما قد يؤدي إلى تحولها إلى أداة في ما يسمى بـ “الحرب المعرفية”.
بالإضافة إلى ذلك، تشير براءات الاختراع الخاصة بتقنية كيو إيه آي إلى قدرتها على قياس النبض ومعدل التنفس وتحليل الحالة العاطفية للمستخدم. وهذا يعني أن النظام يمكنه رسم خريطة نفسية وبيولوجية كاملة للمستخدم في الوقت الفعلي، مما يثير مخاوف جدية بشأن الخصوصية وحماية البيانات الشخصية. على الرغم من تأكيدات أبل بأن المعالجة ستتم محلياً وبشكل آمن، يرى البعض أن التاريخ التقني يثبت أن البنية المدنية غالباً ما تستخدم لأغراض أمنية أوسع.
تعتبر تقنية **الكلام الصامت** تطوراً مهماً في مجال الذكاء الاصطناعي وواجهات المستخدم. تفتح هذه التقنية آفاقاً جديدة للتطبيقات في مجالات متنوعة، مثل الرعاية الصحية، والتعليم، والترفيه. كما أنها قد تساعد الأشخاص ذوي الإعاقة في التواصل والتفاعل مع العالم من حولهم بشكل أفضل. ومع ذلك، يجب التعامل مع هذه التقنية بحذر ومسؤولية لضمان حماية الخصوصية والأمن.
الآن، وبعد إتمام الاستحواذ، من المتوقع أن تبدأ أبل في دمج تقنية **الكلام الصامت** في منتجاتها وخدماتها. من المرجح أن نرى هذه التقنية تظهر أولاً في الأجهزة القابلة للارتداء، مثل Apple Watch، قبل أن تنتقل إلى أجهزة iPhone و iPad. من المتوقع أن يتم الإعلان عن أول منتجات تعتمد على هذه التقنية في غضون العامين المقبلين. يبقى السؤال مفتوحاً حول كيفية تعامل أبل مع المخاوف المتعلقة بالخصوصية والأمن، وكيف ستضمن حماية بيانات المستخدمين.
من المهم أيضاً مراقبة التطورات في مجال تطوير تقنية **الكلام الصامت** من قبل جهات أخرى، مثل وكالة “مفات” الإسرائيلية. قد يؤدي ذلك إلى ظهور تطبيقات جديدة ومبتكرة لهذه التقنية، ولكنه قد يثير أيضاً تحديات جديدة في مجال الأمن والخصوصية. ستكون السنوات القادمة حاسمة في تحديد مستقبل هذه التقنية وتأثيرها على حياتنا.













