يواجه الاقتصاد السوداني تحديات غير مسبوقة، حيث أشار وزير المالية والتخطيط الاقتصادي إلى أن البلاد تمر بـ”مرحلة بالغة الصعوبة” بسبب الحرب المستمرة. وقد أدت الصراعات إلى تدمير واسع النطاق، وارتفاع النفقات العسكرية، وتراجع حاد في الإيرادات الحكومية، مما يضع السودان على شفا أزمة اقتصادية عميقة. هذا المقال يتناول الوضع الاقتصادي في السودان، مع التركيز على تأثير الحرب وتوقعات التعافي.
أكد جبريل إبراهيم محمد، وزير المالية والتخطيط الاقتصادي في الحكومة السودانية، أن الحرب الأهلية الدائرة منذ ثلاث سنوات قد ألحقت أضرارًا جسيمة بالاقتصاد الوطني. وأوضح أن سيطرة قوات الدعم السريع على مناطق رئيسية، خاصة في وسط السودان، أدت إلى فقدان الدولة لمعظم مصادر دخلها. وتشير التقديرات إلى أن 80% من إيرادات السودان كانت تأتي من هذه المنطقة قبل اندلاع الصراع.
تأثير الحرب على الاقتصاد السوداني
كان السودان يعاني بالفعل من صعوبات اقتصادية قبل الحرب، ولكنه الآن يواجه أسوأ أزمة إنسانية واقتصادية في تاريخه. فقد أدت المعارك إلى تعطيل الإنتاج الزراعي والصناعي، وتدمير البنية التحتية، وتهجير الملايين من السكان. وبحسب الأمم المتحدة، يحتاج أكثر من نصف سكان السودان إلى المساعدة الإنسانية العاجلة.
تراجع إيرادات الذهب والنفط
على الرغم من ثروات السودان الطبيعية، بما في ذلك الذهب والأراضي الزراعية والنفط، إلا أن هذه الموارد لم تعد قادرة على دعم الاقتصاد. فقد شهد إنتاج الذهب ارتفاعًا، حيث بلغ 70 طنًا في عام 2025، إلا أن نسبة كبيرة منه تُهرّب إلى الخارج، خاصة إلى دول الخليج. وكشف الوزير أن الصادرات الرسمية للذهب لم تتجاوز 20 طنًا في نفس العام، بينما بلغت إيرادات الخزينة العامة من الذهب 1.57 مليار دولار فقط بسبب شبكات التهريب.
وبالمثل، تراجعت عائدات النفط بأكثر من 50% بسبب سيطرة قوات الدعم السريع على مناطق إنتاج النفط في إقليم كردفان. كما لحقت أضرار جسيمة بمصفاة الجيلي، وهي أكبر مصفاة نفط في البلاد.
ارتفاع الإنفاق العسكري
أفاد الوزير بأن الحكومة اضطرت إلى زيادة الإنفاق العسكري بشكل كبير لمواجهة التحديات الأمنية. وقد ارتفعت حصة تمويل المجهود الحربي من 36% من موازنة 2024 إلى 40% في موازنة 2025. ورغم عدم الكشف عن الأرقام المالية الدقيقة، إلا أن هذا يشير إلى تحويل موارد كبيرة من القطاعات الأخرى إلى الإنفاق العسكري.
بالإضافة إلى ذلك، انخفضت الصادرات الزراعية بنسبة 43% بسبب سيطرة قوات الدعم السريع على مناطق إنتاج الصمغ العربي والسمسم والفول السوداني. كما تراجعت صادرات الثروة الحيوانية بنسبة 55%.
التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار
تقدر الحكومة السودانية تكلفة إعادة إعمار المناطق التي استعادها الجيش بنحو 200 مليار دولار. وتعتمد خطط التعافي الاقتصادي على جذب الاستثمارات الأجنبية والشراكات بين القطاعين العام والخاص في مشاريع البنية التحتية. ويحظى الساحل السوداني على البحر الأحمر باهتمام دولي كبير لإنشاء موانئ استراتيجية، حيث يمر عبره حوالي 12% من حركة الشحن البحري العالمي.
تجري حاليًا مفاوضات مع السعودية وقطر بشأن بناء موانئ جديدة. كما كانت هناك اتفاقيات أولية مع الإمارات العربية المتحدة لإنشاء منطقة اقتصادية، ولكن هذه الاتفاقيات قد لا تنجح بسبب اتهامات بدعم الإمارات لقوات الدعم السريع، وهو ما تنفيه أبوظبي. وروسيا أبدت أيضًا اهتمامًا بإنشاء ميناء صغير لتخزين الإمدادات، لكنها لم تتخذ أي خطوات ملموسة حتى الآن.
الديون والتضخم
يواجه السودان تحديًا كبيرًا يتمثل في الديون العامة الهائلة، والتي بلغت 253% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023، ثم انخفضت قليلاً إلى 221% في عام 2025. كما يعاني السودان من ارتفاع معدلات التضخم، والتي وصلت إلى 151% في عام 2025، بعد أن بلغت 358% في عام 2021. وقد انهار سعر صرف العملة الوطنية، حيث ارتفع سعر الدولار في السوق السوداء من 570 جنيهًا سودانيًا قبل الحرب إلى 3500 جنيه في عام 2026.
في الختام، يظل الوضع الاقتصادي في السودان غير مستقر للغاية ويعتمد بشكل كبير على تطورات الأوضاع الأمنية والسياسية. من المتوقع أن تستمر الحكومة في البحث عن دعم دولي وشراكات استثمارية لتمويل جهود إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي. ومع ذلك، فإن تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام يتطلب حلًا سياسيًا للصراع الدائر وتوفير بيئة آمنة ومستقرة للاستثمار والإنتاج. ما يجب مراقبته في المستقبل القريب هو نتائج المفاوضات مع الجهات المانحة والدولية، بالإضافة إلى أي تطورات جديدة في مسار الصراع.













