طلب الجيش السوري من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الانسحاب من مناطق واسعة شرق مدينة حلب، مما يثير مخاوف من تصعيد جديد في المنطقة. يأتي هذا الطلب بعد سيطرة الجيش السوري على مدينة حلب واندلاع اشتباكات سابقة في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، ويشكل تطوراً هاماً في العلاقة المعقدة بين الحكومة السورية والقوات الكردية، خاصةً فيما يتعلق بمستقبل السيطرة على المناطق الشمالية والشرقية من سوريا. هذا التطور يضع مستقبل المنطقة برمتها على المحك.
الانسحاب من حلب: تطورات وتداعيات على قوات سوريا الديمقراطية
أعلن الجيش السوري، يوم الثلاثاء، عن مطالبة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بالانسحاب من المناطق الواقعة شرق مدينة حلب وصولاً إلى نهر الفرات. ووفقاً لبيان رسمي، تم اعتبار هذه المنطقة “منطقة عسكرية مغلقة”، مع نشر خريطة تحدد البلدات المطلوبة منها الانسحاب، بما في ذلك مسكنة وبابيري وقواس ودير حافر. يهدف هذا الإجراء، بحسب الجيش السوري، إلى تأمين المنطقة ومنع أي تحركات مسلحة قد تهدد الاستقرار.
يأتي هذا الطلب بعد فترة من التوتر والاشتباكات بين الجيش السوري وقسد في أحياء حلب ذات الغالبية الكردية. أفادت تقارير بأن هذه الاشتباكات أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات، بالإضافة إلى نزوح أكثر من 140 ألف مدني. وقد أعلنت قسد في وقت سابق عن انسحابها من الحيين المذكورين، بعد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وتأمين خروج المقاتلين والمدنيين.
تعزيزات عسكرية واتهامات متبادلة
في تطور موازٍ، أفادت مصادر عسكرية بأن الجيش السوري بدأ في إرسال تعزيزات جديدة إلى نقاط تمركزه في دير حافر ومسكنة. وقد برر الجيش هذه التعزيزات بالرد على ما وصفه باستقدام قسد لقوات إضافية إلى المنطقة، مدعياً وصول عناصر من حزب العمال الكردستاني (PKK) وفلول من النظام السابق. هذه الاتهامات، وفقاً للمصادر، تشير إلى تصعيد محتمل في المواجهات.
من جانبها، نفت قسد بشكل قاطع صحة هذه الادعاءات. وأكد مركزها الإعلامي عدم وجود أي تحركات عسكرية لقواتها في محيط مسكنة ودير حافر، واصفاً تصريحات وزارة الدفاع السورية بأنها “مضللة” و”لا أساس لها من الصحة”. هذا النفي يأتي في سياق سعي قسد لتوضيح موقفها وتجنب أي سوء فهم قد يؤدي إلى تصعيد غير ضروري.
ويرى بعض المراقبين أن الهجوم على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية كان يهدف إلى إضعاف قسد وإجبارها على التنازل عن بعض المواقع الاستراتيجية. وقد اعتبر قيادي في قسد أن هذه الأحداث تمثل “مؤامرة كبيرة” تهدف إلى جر المنطقة إلى حرب شاملة.
دور قسد في سوريا والعلاقة مع الحكومة
تسيطر قوات سوريا الديمقراطية على مساحات واسعة من شمال وشرق سوريا، بما في ذلك مناطق غنية بالنفط والغاز. وقد لعبت قسد دوراً محورياً في دحر تنظيم “داعش” من سوريا، بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. هذا الدور جعلها لاعباً رئيسياً في المشهد السوري، وأثار تساؤلات حول مستقبلها وعلاقتها بالحكومة المركزية.
بعد سنوات من الصراع، أبدت قسد مرونة تجاه الحكومة السورية، ورفعت العلم السوري في المناطق التي تسيطر عليها. ومع ذلك، فإن إصرارها على نظام حكم لامركزي وتثبيت حقوقها في الدستور لم يحظَ باستجابة من دمشق، مما ساهم في استمرار التوترات. هذا الخلاف حول الحكم الذاتي يمثل عقبة رئيسية أمام تحقيق الاستقرار في سوريا.
يأتي هذا التطور أيضاً في سياق أعمال عنف طائفية شهدتها سوريا في الأشهر الأخيرة، بما في ذلك هجمات على الأقليات العلوية والدرزية. وتشير بعض التقارير إلى تدخل إسرائيلي في هذه الأحداث، حيث نفذت إسرائيل ضربات على دمشق قالت إنها دعماً للدروز. هذه العوامل الخارجية تضيف تعقيداً إضافياً إلى الوضع في سوريا.
من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة مزيداً من التطورات، حيث من المرجح أن تواصل الحكومة السورية جهودها لتأمين السيطرة على المناطق الشرقية من حلب. في الوقت نفسه، من غير الواضح ما إذا كانت قسد ستلتزم بطلب الانسحاب، أو ما إذا كانت ستسعى إلى التفاوض مع الحكومة السورية. يبقى الوضع متيناً ويستدعي المتابعة الدقيقة، مع التركيز على أي مبادرات دبلوماسية قد تهدف إلى تجنب المزيد من التصعيد.












