مرّ أكثر من 170 عامًا على بداية عصر السكك الحديدية في مصر، حيث شهد عام 1854 تشغيل أول قطار يربط بين القاهرة وكفر الزيات، مما يمثل نقطة تحول في تاريخ النقل والمواصلات بالبلاد. تعتبر مصر رائدة في هذا المجال على مستوى القارة الأفريقية والشرق الأوسط، وقد شهدت شبكة سكك حديد مصر تطورات كبيرة على مر العقود. هذا التطور التاريخي هو محور كتاب جديد صدر حديثًا بترجمة عربية.
أصدر المركز القومي للترجمة بالقاهرة في أكتوبر/تشرين الأول 2025 كتاب “تاريخ سكك حديد مصر” للمهندس البلجيكي ليونيل فينير، والذي يوثق بدقة مراحل بناء وتشغيل خطوط السكك الحديدية في مصر منذ نشأتها. الكتاب، المكون من أكثر من 400 صفحة، يقدم دراسة شاملة لأصول السكك الحديدية في مصر، وتأثيرها على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى مساهمات الحكام المتعاقبين في تطوير هذا المرفق الحيوي.
تاريخ سكك حديد مصر: نظرة تفصيلية
يتتبع الكتاب تاريخ تشييد خطوط السكك الحديدية المصرية، بدءًا من العقد الذي أبرمه الخديوي عباس الأول مع روبرت ستيفنسون عام 1851 لإنشاء خط يربط القاهرة بالإسكندرية. ويشير الكتاب إلى أن هذا المشروع كان بمثابة الشرارة الأولى لإنشاء شبكة واسعة من خطوط السكك الحديدية التي امتدت لاحقًا لتشمل مناطق مختلفة في مصر، مثل السويس وبورسعيد والصعيد.
يركز فينير على الأسباب التي دفعت إلى بناء السكك الحديدية في مصر، والتي تشمل تسهيل حركة التجارة، ونقل الركاب والبضائع، وتعزيز الروابط بين المناطق المختلفة. كما يحلل الكتاب التحديات التي واجهت عملية البناء، مثل صعوبة التضاريس، ونقص الموارد، والحاجة إلى استيراد المعدات والخبرات من الخارج.
مساهمات الحكام في تطوير الشبكة
يؤكد الكتاب على الدور المحوري الذي لعبه كل من محمد علي، وعباس باشا، وسعيد باشا في تطوير السكك الحديدية في مصر. فقد أدرك محمد علي أهمية هذا المرفق في تعزيز التنمية الاقتصادية، بينما منح عباس باشا الامتياز الأول لإنشاء خطوط السكك الحديدية، واستكمل سعيد باشا بناء الشبكة الأساسية التي نعرفها اليوم.
بالإضافة إلى ذلك، يتناول الكتاب تطور قطارات الضواحي في القاهرة، بدءًا من خط حلوان الذي تم إنشاؤه في سبعينيات القرن التاسع عشر. كما يلقي الضوء على إنشاء خطوط الترام التي ساهمت في تحسين وسائل النقل داخل المدن.
الجسور والتجهيزات الفنية
لا يقتصر الكتاب على الجوانب التاريخية والسياسية لتطور السكك الحديدية في مصر، بل يتطرق أيضًا إلى الجوانب الفنية والهندسية. ويصف فينير بالتفصيل أنواع الجسور التي تم تشييدها لخدمة قطارات السكك الحديدية، ومواصفاتها الفنية، وأساليب بنائها. كما يستعرض الكتاب أنواع عربات القطارات المختلفة، والقاطرات المستخدمة، والمعدات الأخرى اللازمة لتشغيل الشبكة.
ويشير الكتاب إلى أن مصر كانت من أوائل الدول التي استخدمت أحدث التقنيات في بناء السكك الحديدية، وأن المهندسين المصريين اكتسبوا خبرة كبيرة في هذا المجال. كما يوضح الكتاب أن السكك الحديدية ساهمت في تطوير الصناعات المحلية، مثل صناعة الحديد والصلب، وصناعة الآلات والمعدات.
أهمية الكتاب وتأثيره المحتمل
يعتبر هذا الكتاب إضافة قيمة إلى المكتبة العربية، حيث يقدم دراسة شاملة وموثقة لتاريخ السكك الحديدية في مصر. ويعد مصدرًا هامًا للباحثين والمهتمين بتاريخ النقل والمواصلات في مصر والمنطقة العربية. كما يمكن أن يفيد الكتاب في تطوير استراتيجيات مستقبلية لتحديث وتطوير شبكة السكك الحديدية في مصر.
بالإضافة إلى ذلك، يسلط الكتاب الضوء على أهمية الحفاظ على التراث الثقافي والتاريخي للسكك الحديدية في مصر، من خلال الحفاظ على المباني التاريخية، والمعدات القديمة، والوثائق الأرشيفية. ويشجع الكتاب على إقامة المزيد من الدراسات والأبحاث حول تاريخ السكك الحديدية في مصر، بهدف إثراء المعرفة والفهم بهذا المرفق الحيوي.
من المتوقع أن يشهد قطاع السكك الحديدية في مصر استثمارات كبيرة في السنوات القادمة، بهدف تحديث وتطوير الشبكة، وزيادة كفاءتها، وتحسين مستوى الخدمة المقدمة للركاب. وتشمل هذه الاستثمارات إنشاء خطوط جديدة، وتجديد الخطوط القديمة، وتحديث أسطول القطارات، وتطوير البنية التحتية للمحطات والمراكز اللوجستية. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات كبيرة تواجه هذا القطاع، مثل نقص التمويل، والبيروقراطية، والتنسيق بين الجهات المختلفة. ومن الضروري التغلب على هذه التحديات لضمان نجاح عملية التطوير والتحديث.













