في قلب برشلونة، يروي فيلم وثائقي جديد بعنوان “توب مانتا.. بائعو الرصيف في برشلونة” قصة كفاح المهاجرين الأفارقة الذين يحاولون بناء حياة كريمة في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. الفيلم، الذي أنتجته الجزيرة الوثائقية في عام 2024، يسلط الضوء على واقع هؤلاء الباعة الجائلين في حي “رافال” التاريخي، وكيف تحولوا إلى رمز للصمود والإرادة في وجه الصعاب. يركز الفيلم على مبادرة “توب مانتا” كنموذج للنضال من أجل الحقوق والكرامة الإنسانية.
تُظهر المشاهد بوضوح الحياة اليومية لهؤلاء المهاجرين، بدءًا من البحث عن فرص عمل شاقة، مرورًا بالمضايقات التي يتعرضون لها من قبل السلطات واليمين المتطرف، وصولًا إلى محاولاتهم المستمرة لتأسيس مجتمع متماسك يدعم بعضه البعض. الفيلم لا يكتفي بتصوير المعاناة، بل يركز أيضًا على الإبداع والابتكار الذي أظهره هؤلاء المهاجرون في سبيل تحقيق الاستقلال المالي والاجتماعي.
“توب مانتا” ليست مجرد علامة تجارية، بل إرادة حياة
بدأت قصة “توب مانتا” في عام 2015، بعد وفاة أحد زملائهم بسبب مضايقات الشرطة. قرر مجموعة من الباعة الجائلين الأفارقة تأسيس اتحاد لحماية حقوقهم، وتقديم الدعم لبعضهم البعض. “لامين سار”، أحد مؤسسي العلامة التجارية، يصف الورشة التي يعملون بها بأنها “مصنع ملابس توب مانتا”، وهي مكان يلتقي فيه الإبداع بالنضال.
يواجه العديد من هؤلاء المهاجرين صعوبات قانونية كبيرة، حيث يجدون أنفسهم عالقين في وضع غير قانوني لسنوات طويلة. “لامين” نفسه، يروي أنه قضى سنوات عديدة في العمل في ظروف قاسية، قبل أن يتمكن من تصحيح وضعه القانوني في عام 2019. هذه الصعوبات القانونية تجعلهم عرضة للاستغلال والتمييز، وتمنعهم من الحصول على حقوقهم الأساسية.
النضال النقابي والإبداعي
يؤكد “لامين” أنهم يخوضون نوعين من النضال: نقابي وإبداعي. من خلال الاتحاد، تمكنوا من كسب احترام السلطات المحلية، وتحسين أوضاعهم القانونية، وحماية حقوقهم العمالية. أما من خلال العلامة التجارية “توب مانتا”، فقد تمكنوا من التعبير عن آرائهم ومواقفهم السياسية والاجتماعية، ونشر رسائل توعية حول قضايا الهجرة والتمييز.
تتميز ملابس “توب مانتا” بتصاميمها الجريئة ورسائلها القوية، التي تدعو إلى المساواة والعدالة والكرامة الإنسانية. “ياسين ديوب”، وهي أيضًا من مؤسسي العلامة التجارية، تشير إلى أن هذه الملابس ليست مجرد سلع، بل هي وسيلة للتعبير عن الهوية والنضال. شعار “قانون زائف وملابس حقيقية” يعكس إحباطهم من القوانين التي تعيق حصولهم على حقوقهم.
المهاجرون الأفارقة ونضالهم من أجل لقمة العيش
لم يقتصر نضال المهاجرين الأفارقة على تأسيس العلامة التجارية “توب مانتا”، بل امتد ليشمل تنظيم مظاهرات واحتجاجات للمطالبة بحقوقهم. وقد شهد معبر مليلة الحدودي مظاهرات حاشدة، رفع خلالها المتظاهرون شعارات تطالب بإيقاف المضايقات والتمييز، وتوفير فرص عمل قانونية.
تترافق هذه المظاهرات مع جهود لجمع التوقيعات على وثيقة “التشريع الشعبي لغير الموثقين”، والتي تهدف إلى تسوية أوضاع نصف مليون مهاجر غير موثق في إسبانيا. حتى الآن، تم جمع أكثر من 400 ألف توقيع، ويأمل القائمون على المبادرة في تقديمها إلى البرلمان الإسباني في مدريد.
تحديات تواجه المبادرة
تواجه مبادرة “التشريع الشعبي لغير الموثقين” بعض التحديات، حيث يرفض اليمينيون التوقيع على الوثيقة، ويطالبون بإعادة المهاجرين غير القانونيين إلى بلدانهم. كما أن السياح قد لا يكونون مؤهلين للتوقيع، مما يقلل من عدد التوقيعات الصالحة.
ومع ذلك، فإن هناك دعمًا متزايدًا للمبادرة من قبل بعض الأحزاب السياسية والمنظمات غير الحكومية. وقد أعلنت عمدة برشلونة “آدا كولاو” عن استعدادها لدعم المبادرة، ومناقشتها في مجلس المدينة.
في فبراير 2023، صادق البرلمان الإسباني على التوقيعات، لكن لم يتم تحديد موعد بعد لمناقشة مشروع القانون. الخطوة التالية هي أن يقوم البرلمان بدراسة الوثيقة، واتخاذ قرار بشأن ما إذا كان سيتم تحويلها إلى قانون أم لا. من المتوقع أن تكون المناقشات حول مشروع القانون حادة ومثيرة للجدل، نظرًا لوجود آراء متباينة حول قضايا الهجرة والاندماج.
يظل مستقبل المهاجرين الأفارقة في إسبانيا غير مؤكد، لكن مبادرات مثل “توب مانتا” و”التشريع الشعبي لغير الموثقين” تمنحهم الأمل في تحقيق حياة أفضل، والحصول على حقوقهم كاملة. من المهم متابعة تطورات هذه المبادرات، والضغط على السلطات لاتخاذ خطوات ملموسة لتحسين أوضاع المهاجرين، وضمان احترام كرامتهم الإنسانية.













