في خضم السباق العالمي لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، تثار تساؤلات متزايدة حول ملكية هذه التكنولوجيا، ومَن المستفيد منها حقًا، وما هي التكلفة التي يدفعها المستخدم مقابل السرعة والكفاءة التي تقدمها. وسط هذه المخاوف، ظهرت منصة “ثورة” (Thaura) كبادرة لتقديم نموذج بديل يضع الاعتبارات الأخلاقية وخصوصية المستخدم في الصميم، بدلًا من اعتبارهما مجرد تكملة. تهدف هذه المنصة إلى إحداث تحول في طريقة تفكير الناس في تطوير واستخدام التكنولوجيا.
أسس “ثورة” شقيقان سوريان، هاني وسعيد، بخبرة سابقة في قطاع التكنولوجيا الأوروبي. يصفان منصتهما بأنها “ذكاء اصطناعي للناس، لا للشركات ولا للحكومات”، وهو موقف ينتقد بشكل مباشر سياسات شركات التكنولوجيا الكبرى، ليس فقط من الناحية التقنية، بل أيضًا من منظور أخلاقي وسياسي أوسع. يؤكدان على أهمية بناء تكنولوجيا تعكس قيمًا إنسانية حقيقية.
منصة “ثورة”: بديل أخلاقي في عالم الذكاء الاصطناعي
عمل المؤسسان في شركة تقنية ألمانية تتعامل مع شركات أدوية كبرى، ما عرّضهما لقواعد بيانات صحية ضخمة وحساسة. هذا أظهر لهما أن التكنولوجيا ليست مجرد أكواد، بل ترتبط بشكل مباشر بحياة الناس وثقتهم. أدركا أن خصوصية البيانات والموثوقية ليست مجرد خيارات إضافية، بل هي شروط أساسية لأي نظام تكنولوجي ناجح ومقبول.
تجربة العمل في أوروبا شكلت أيضًا نظرة المؤسسين إلى التكنولوجيا. يقول هاني: “منحنا ذلك فهمًا مباشرًا لكيفية قمع الأنظمة للناس، وكيف يمكن للتكنولوجيا أن تكون أداة قوية في أيدي القوى المسيطرة.” هذا الوعي دفعهم للتركيز على بناء منصة تحترم حقوق المستخدمين وتحمي خصوصيتهم.
مسار غير تقليدي نحو ريادة التكنولوجيا
لم يسلك المؤسسان مسارًا أكاديميًا تقليديًا في علوم الحاسوب، لكنهم يؤكدان أن هذا لم يكن عائقًا، بل حافزًا للتعلم الذاتي. يقول سعيد: “التعلّم المستمر هو جوهر العمل في مجال التكنولوجيا. معظم العاملين في هذا المجال يعتمدون على التعلم الذاتي لتطوير مهاراتهم.” تعلّمهم للبرمجة بشكل مستقل أكسبهم مرونة وقدرة على التكيّف مع التحديات الجديدة.
وتضيف هاني: “قدرتنا على التعلم السريع واكتساب مهارات جديدة كانت أساسية في بناء “ثورة”. لقد قمنا بتقسيم الأدوار بناءً على نقاط القوة لدينا، وتمكنا من العمل بفعالية كفريق واحد.”
الخصوصية والأخلاق: أولويات “ثورة” في مجال الذكاء الاصطناعي
تصف “ثورة” نفسها بأنها “بديل أخلاقي”، ويرجع ذلك إلى قلق المؤسسين بشأن ممارسات شركات التكنولوجيا الكبرى. “لقد لاحظنا أن هذه الشركات تضع الأرباح فوق كل شيء، وهو ما يؤدي إلى تبني سياسات ضارة بالناس والمجتمع”. يشير المؤسسان إلى تورط بعض الشركات في دعم الأنظمة القمعية وعدم احترام حقوق الإنسان.
يؤكد سعيد: “الذكاء الاصطناعي هو أداة قوية يمكن استخدامها لتحسين حياة الناس، ولكن يجب أن يتم تطويرها واستخدامها بطريقة أخلاقية ومسؤولة. نرفض المشاركة في أي نظام يهدف إلى استغلال أو قمع الآخرين.”
رفضت “ثورة” تلقي استثمارات من جهات قد تؤثر في استقلاليتها أو رسالتها. يقول هاني: “نفضل البقاء مستقلين حتى لو كان ذلك يعني نموًا أبطأ. أولويتنا هي بناء منصة تخدم مصالح الناس، وليس مصالح المستثمرين.”
البيانات والشفافية: مبادئ أساسية
تلتزم “ثورة” بحماية بيانات المستخدمين وعدم استخدامها لأغراض تجارية أو سياسية. “نحن نؤمن بأن بيانات المستخدم هي ملك له، وليس لنا”. تتميز المنصة بالشفافية التامة في كيفية عملها وفي سياسات الخصوصية الخاصة بها.
تذكر المنصة أن البيانات يتم تخزينها فقط لصالح المستخدم وخدمته، مثل حفظ سجل المحادثات. وتمتّع المستخدم بالتحكم الكامل في بياناته، بما في ذلك الحق في الوصول إليها وتعديلها وحذفها.
نظرة مستقبلية: الذكاء الاصطناعي والمسؤولية الاجتماعية
تهدف “ثورة” إلى إحداث تحول في النقاش العالمي حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، من خلال طرح أسئلة حول الخصوصية والسلطة والأخلاق. يريد المؤسسان أن يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا إيجابيًا في المجتمع، وأن يساهم في بناء عالم أكثر عدلاً وإنصافًا. في الوقت الحالي، يركز الفريق على توسيع قاعدة المستخدمين والاستمرار في تطوير ميزات جديدة تحترم خصوصية المستخدم وتعزز تجربة المستخدم.
يشير المؤسسان إلى أن الخطوة التالية تتضمن بناء مجتمع نشط من المستخدمين والمطورين الذين يشاركونهم رؤيتهم وقيمهم. يهدفون إلى إنشاء نظام بيئي مفتوح ومستقل حيث يمكن للجميع المساهمة في تطوير تكنولوجيا أخلاقية ومسؤولة. مستقبل “ثورة” يعتمد على قدرتها على الحفاظ على استقلاليتها وجذب الدعم من مجتمع المستخدمين المتزايد.













