تشهد القارة الأفريقية نمواً ملحوظاً في قطاع الطيران، متجاوزةً المعدلات العالمية، إلا أن هذا النمو لا يترجم بالضرورة إلى أرباح مجدية لشركات الطيران العاملة فيها. تظل هذه الشركات تواجه تحديات هيكلية وبيئية معقدة تؤدي إلى تدني هامش الربح لديها، ليظل الأقل عالمياً، وفقاً لتقرير حديث صادر عن الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا).
ويتزامن هذا التوسع في حركة المسافرين الجويين بأفريقيا مع تباطؤ في النمو الاقتصادي العالمي، مما يضاعف الضغوط على شركات الطيران لخفض التكاليف وزيادة الكفاءة. وتتراوح تقديرات النمو السنوي في عدد المسافرين حالياً حول 4.1%، وهو ما قد يرفع إجمالي عدد المسافرين إلى 411 مليوناً خلال العقدين القادمين، مما يجعل أفريقيا ثالث أسرع سوق للنقل الجوي نموًا على مستوى العالم.
تحديات تواجه نمو قطاع الطيران في أفريقيا
يعود ضعف الربحية في قطاع الطيران الأفريقي إلى عدة عوامل متداخلة. أولاً، تواجه شركات الطيران تكاليف تشغيلية مرتفعة، خاصةً فيما يتعلق بأسعار الوقود والرسوم والمضرائب التي تفوق المتوسط العالمي. بالإضافة إلى ذلك، هناك نفقات كبيرة تتعلق بصيانة الطائرات والتأمين عليها وشراء أصول جديدة.
ثانياً، يعاني قطاع النقل الجوي في أفريقيا من ضعف الربط بين الدول. فنسبة الرحلات الجوية المباشرة لا تتجاوز 5% من إجمالي الشبكة، مما يجبر المسافرين على الاعتماد على رحلات الترانزيت التي تزيد من التكلفة والوقت. هذا النقص في الاتصال المباشر يعيق أيضاً حركة البضائع والتجارة داخل القارة.
أزمة سلاسل التوريد وتأثيرها على شركات الطيران
أدى نقص الطائرات وقطع الغيار إلى تفاقم الوضع. تشير بيانات إياتا إلى وجود تراكم في طلبات شراء الطائرات يتجاوز 17 ألف طائرة، بينما ارتفع متوسط عمر الأسطول الحالي إلى 15 عاماً. ونتيجة لذلك، تكبدت شركات الطيران الأفريقية أكثر من 11 مليار دولار أمريكي إضافية بسبب اختناقات سلاسل التوريد، والتي أثرت على تكاليف الوقود والصيانة وتأجير المحركات وتخزين قطع الغيار.
وعلى الرغم من ذلك، تشرع شركات الطيران الأفريقية في تعزيز قدراتها في مجال الصيانة والإصلاح، في محاولة لتقليل الاعتماد على الشركات الأجنبية وخفض التكاليف. ومع ذلك، لا يزال هناك حاجة ماسة إلى دعم من الشركات المصنعة والموردين لتطوير مرافق عالمية المستوى وتلبية المعايير الدولية.
أهمية تحرير الأسواق وتفعيل اتفاقية ياموسوكرو
يؤكد خبراء القطاع على أهمية تحرير أسواق النقل الجوي في أفريقيا كخطوة أساسية لتحسين الربحية وتعزيز النمو. إن تفعيل “اتفاقية ياموسوكرو” بشأن تحرير السماء الأفريقية ومبادرة السوق الأفريقية الموحدة للنقل الجوي يمثل فرصة حقيقية لإزالة الحواجز التجارية والسماح لشركات الطيران بالعمل بحرية أكبر عبر القارة. هذه الخطوة من شأنها زيادة المنافسة وتحسين الخدمات وخفض الأسعار.
ويرى كميل العوضي، نائب رئيس إياتا لمنطقة أفريقيا والشرق الأوسط، أن الطيران يمكن أن يلعب دوراً حاسماً في تحويل اقتصادات أفريقيا، شريطة أن تتعامل الحكومات معه كأداة للتنمية وليس مجرد مصدر للإيرادات. وهذا يتطلب رؤية استراتيجية والتزاماً بالاستثمار في البنية التحتية وتطوير الكفاءات وتبني سياسات تنظيمية داعمة.
بالإضافة إلى ذلك، يشكل الاستثمار في البنية التحتية للمطارات، وتحديث أنظمة الملاحة الجوية، وتسهيل إجراءات السفر من العوامل المهمة الأخرى التي يمكن أن تساهم في تحسين كفاءة قطاع النقل الجوي وتقليل التكاليف.
يشير تحليل إياتا إلى أن التركيز على السياحة وتطويرها، كعنصر جاذب للنمو في عدد المسافرين، يمكن أن يدعم أيضاً الاستدامة المالية لشركات الطيران. ومع ذلك، يتطلب ذلك تعاوناً وثيقاً بين شركات الطيران والحكومات وقطاع السياحة لتطوير عروض سياحية متكاملة وترويجها بفعالية.
من المتوقع أن تجتمع الحكومات الأفريقية وممثلو شركات الطيران خلال الأشهر القليلة القادمة لمناقشة آليات تفعيل اتفاقية ياموسوكرو وتسريع تنفيذ مبادرة السوق الأفريقية الموحدة للنقل الجوي. إلا أن نجاح هذه الجهود يعتمد إلى حد كبير على التوصل إلى توافق في الآراء بشأن القضايا المتعلقة بالحقوق التجارية والمنافسة وحماية المستهلك. ومن الأهمية بمكان مراقبة التطورات في هذا الشأن وتقييم تأثيرها على مستقبل الطيران في أفريقيا.













