في تشخيصٍ مقلق لمستقبل الاقتصاد الفرنسي، حذر الخبير الاقتصادي نيكولا بافيريز من تدهور هيكلي قد يدفع باريس إلى خارج دائرة الاقتصادات الكبرى بحلول نهاية العقد الحالي. يصف بافيريز الوضع الحالي بـ “العالمثالثية” (Tiers-mondisation)، مشيراً إلى تآكل متزايد في الاقتصاد والمجتمع الفرنسي، ويشبّه بلاده بـ “الأرجنتين الأوروبية”.
نُشرت هذه التحذيرات في مقال حديث بصحيفة لوفيغارو، حيث قدم بافيريز تحليلاً مفصلاً للأرقام الاقتصادية التي تشير إلى تراجع مستمر في الثروة الوطنية الفرنسية. وتأتي هذه المخاوف في وقت يواجه فيه الاتحاد الأوروبي تحديات اقتصادية وسياسية متزايدة.
تدهور الثروة الوطنية والوضع الاقتصادي الفرنسي
وفقًا لتحليل بافيريز، تحتل فرنسا اليوم المركز 34 عالميًا من حيث الثروة، وهو ما يمثل انخفاضًا إلى أقل من 7٪ من المتوسط الأوروبي للعام الثالث على التوالي. يمثل هذا تراجعًا بنسبة 25٪ مقارنة بالدانمارك، و 20٪ مقارنة بالسويد، و 15٪ مقارنة بألمانيا.
يشير التقرير إلى أن نصيب الفرد من الثروة في فرنسا قد تراجع في عام 2024 ليصبح أقل بنسبة 7٪ من المتوسط الأوروبي، وهو انخفاض مستمر للسنة الثالثة على التوالي. هذا الانكماش في الثروة الحقيقية يتزامن مع ارتفاع حاد في الالتزامات المالية، حيث تجاوز الدين العام 3.4 تريليونات يورو، أي ما يعادل 117.4٪ من الناتج المحلي الإجمالي.
ويوضح بافيريز أن كل مواطن فرنسي، من بين 69 مليون نسمة، يتحمل الآن التزامات مالية وطنية تصل إلى 231 ألف يورو، وهو ما يعادل دخل ست سنوات كاملة من العمل. هذه الأرقام تثير قلقًا بالغًا بشأن الاستدامة المالية للبلاد.
تآكل الطبقة الوسطى وتأثيره على الاقتصاد
يسلط التقرير الضوء على تراجع الطبقة الوسطى في فرنسا، حيث يزداد عدد الأفراد الذين يجدون صعوبة في الحفاظ على مستوى معيشتهم. يرتبط هذا التراجع بانخفاض ساعات العمل السنوية للفرد الفرنسي مقارنة بنظرائه في ألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة، على الرغم من ارتفاع متوسط العمر المتوقع.
بالإضافة إلى ذلك، يشير التقرير إلى تدهور نظام التعليم الفرنسي، الذي انخفض من المرتبة 13 إلى 26 عالميًا وفقًا لتصنيف “بيزا” (PISA). يُعزى هذا التدهور إلى انخفاض الإنتاجية بنسبة 6٪ منذ عام 2019، مما يؤثر سلبًا على القدرة التنافسية للاقتصاد الفرنسي.
السياسات الاقتصادية والديون المتراكمة
ينتقد بافيريز النموذج السياسي الحالي في فرنسا، واصفًا إياه بـ “الديماغوجي” الذي يعتمد على “النمو بالدين” لتمويل الاستهلاك دون دعم الإنتاجية الحقيقية. ويشير إلى أن ميزانية عام 2026 تفرض ضرائب إضافية بقيمة 44 مليار يورو، مما يخنق الشركات الكبرى التي تمثل آخر معاقل الاقتصاد الفرنسي.
ويؤكد بافيريز أن هذا الضغط الضريبي والمالي يؤدي إلى “بروليتارية” الطبقة الوسطى، أي تحويلها إلى طبقة فقيرة كادحة، مما يفسر صعود التيارات الشعبوية التي تستغل غضب المهمشين اقتصاديًا. هذا الوضع يهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي في فرنسا.
العزلة الجيوسياسية وتأثيرها على فرنسا
لا يقتصر تأثير هذا التدهور الاقتصادي على الداخل الفرنسي فحسب، بل يمتد ليشمل مكانة فرنسا على الساحة الدولية. يشير بافيريز إلى أن فرنسا تفقد جاذبيتها ومصداقيتها كقوة محركة للاتحاد الأوروبي، ويشير إلى “التهميش” الذي تعاني منه باريس في ظل صعود محاور جديدة، مثل التقارب الألماني الإيطالي.
ويضيف أن فرنسا لم تعد قادرة على الاستجابة لتحديات القرن الحادي والعشرين، مثل الذكاء الاصطناعي والتحول البيئي وإعادة التسلح، وأنها تفقد بريقها أمام قوى دولية أخرى. هذا التراجع في النفوذ الجيوسياسي يثير قلقًا بشأن مستقبل دور فرنسا في العالم.
يختتم بافيريز تحليله بالتأكيد على أن هذا السقوط ليس حتميًا، بل هو نتيجة سلسلة من التنازلات والأخطاء السياسية. يقترح “علاجًا بالصدمة” يرتكز على الانتقال من اقتصاد الاستهلاك إلى اقتصاد الإنتاج والابتكار، ووقف “الهروب للأمام” عبر الديون والضرائب المفرطة، وإعادة الاعتبار لقيمة العمل والتعليم.
من المتوقع أن يناقش البرلمان الفرنسي هذه التحذيرات في الأشهر المقبلة، وقد تؤدي إلى تغييرات في السياسات الاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك، يبقى مستقبل الاقتصاد الفرنسي غير مؤكد، ويتوقف على قدرة الحكومة على اتخاذ إجراءات فعالة لمعالجة المشاكل الهيكلية التي تواجه البلاد. سيراقب المراقبون عن كثب التطورات الاقتصادية والسياسية في فرنسا في الأشهر القادمة لتقييم مدى جدية هذه التحديات وإمكانية التغلب عليها.













