تُعيد التطورات الجارية في فنزويلا ودول أمريكا الجنوبية إلى الواجهة نظرتنا التاريخية لهذه الدول، وكيف تطورت تصوراتنا كعرب ومشرقيين على مر القرون. يتجلى ذلك من خلال استكشاف كتابين هامين: “رحلة أول شرقي إلى أميركا” لإلياس حنا الموصلي، و”جولة في ربوع الدنيا الجديدة: بين مصر والأمريكتين” لمحمد ثابت. هذه الرحلات تقدم منظوراً فريداً حول تطور الاهتمام بـ أمريكا الجنوبية.
يعود كتاب الموصلي إلى القرن السابع عشر، بينما يمثل كتاب ثابت نظرة في النصف الأول من القرن العشرين. المقارنة بينهما تكشف تحولاً جذرياً في العقلية العربية تجاه “العالم الجديد”، من التركيز على الثروات المادية إلى البحث عن أسباب التقدم والازدهار.
إلياس الموصلي.. انبهار بكنوز الأرض
كانت رحلة إلياس الموصلي، بصفته أول عربي يزور أمريكا الجنوبية، متأثرة بعقلية عصره ورغبته في الحصول على الدعم. تركز وصفه للثروات على الجانب الاستخراجي والمعدني بشكل أساسي.
طغى على وصف الموصلي الانبهار بكميات الذهب والفضة الهائلة، حيث قدم وصفاً تفصيلياً لمناجم الفضة في مدينة “بوتوسي” (Potosí) البوليفية، وشرح طرق استخراج الفضة باستخدام الزئبق. لم يكتف بالوصف، بل انخرط في التجارة، حيث ذكر أنه اشترى الذهب والفضة الرملية من عدة قرى.
كان الموصلي يقيس ثروة البلاد بكمية المعادن المشحونة، واصفاً ملايين السبائك التي تنقل إلى إسبانيا. كما نقل قصصاً عن “مغارة الذهب” وعن الهنود الذين أخفوا كنوزهم عن الإسبان.
وامتزج وصف الموصلي للثروة بالخوارق، مثل حديثه عن “نهر يرمي رملاً مخلوطاً بالذهب”، وعن معادن تتجدد حجارتها بفعل النجوم. هذا يعكس تصوراً مختلفاً عن الواقع، يركز على الأساطير والخرافات.
محمد ثابت.. تشريح أسباب الحضارة
في المقابل، جاءت رحلة محمد ثابت في ثلاثينيات القرن العشرين بعين “المربي والجغرافي” الذي يقارن حال تلك البلاد بوطنه (مصر)، باحثاً عن أسباب التقدم الاقتصادي والاجتماعي. ركز ثابت على دراسة التنمية في هذه الدول.
اهتم ثابت برصد الحالة التعليمية كأداة للحراك الاجتماعي، وأجرى مقارنة بين الأرجنتين ومصر، مشيراً إلى أن نسبة الأمية في الأرجنتين ضئيلة وأن التعليم إلزامي ومجاني. كما زار المدارس في تشيلي وبيرو ليرصد الفروق.
ركز ثابت بشدة على مكانة المرأة في المجتمع، حيث لاحظ الحرية المطلقة للنساء في تشيلي والأرجنتين، واختلاط الجنسين في الأماكن العامة. كما انتقد “الإسراف في المجون” في بعض المدن، ورصد التفاوت الطبقي والفقر في بعض المناطق.
انصب التركيز في رحلة “ثابت” على “الذهب الأخضر” (الزراعة) والإنتاج، حيث وصف “البن” في البرازيل بأنه عماد الثروة، وركز على البنية التحتية الجبارة مثل “قناة بنما” وسكك الحديد. هذا يعكس تحولاً في الاهتمام من استخراج الثروات إلى بناء اقتصاد مستدام.
التحول في النظرة العربية
تُظهر المقارنة بين رحلتي الموصلي وثابت تحولاً كبيراً في النظرة العربية تجاه أمريكا اللاتينية. فبينما كانت نظرة الموصلي مشدودة إلى بريق المعادن والخوارق، جاءت نظرة ثابت فاحصة لأسباب النهضة والعمران، في مقارنة تجسد الانتقال من “هوس الذهب” إلى “هاجس التنمية”.
يعكس هذا التحول أيضاً تطوراً في الفكر العربي، من التركيز على الجوانب المادية إلى الاهتمام بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. هذا التحول يعكس أيضاً رغبة في التعلم من تجارب الآخرين، والبحث عن طرق لتحقيق التنمية والازدهار في العالم العربي.
تُظهر هذه الرحلات أيضاً أهمية السياق التاريخي والثقافي في فهم تصوراتنا عن الآخر. فكل رحلة تعكس قيم ومعتقدات العصر الذي عاش فيه الرحالة، وتأثرت بخلفيته الثقافية والاجتماعية.
في الختام، تظل دراسة هذه الرحلات التاريخية ذات أهمية كبيرة لفهم تطور العلاقات بين العالم العربي وأمريكا الجنوبية. ومن المتوقع أن تشهد هذه العلاقات تطورات جديدة في المستقبل، في ظل التغيرات الجيوسياسية والاقتصادية التي يشهدها العالم. يجب متابعة التطورات في المنطقة، خاصة فيما يتعلق بالاستثمارات والتجارة والتبادل الثقافي، لتقييم مستقبل هذه العلاقات.













