في عالم الأدب العربي المعاصر، تبرز رواية “أيتها القُبّرة” للكاتب التونسي الحبيب السالمي كعمل فريد يركز على تجربة الهجرة وتأثيرها العميق على النفس البشرية، مقدمًا مساحة سردية هادئة تتأمل في قضايا الهوية والذاكرة والوحدة. صدرت الرواية حديثًا عن دار الأداب في بيروت، وتلقى استحسان النقاد لقدرتها على التعبير عن المشاعر الإنسانية المعقدة بأسلوب شعري ورصين.
تدور أحداث الرواية حول محمد منصور، مهاجر تونسي يعيش في باريس، يجد نفسه مسؤولاً عن رعاية حماته الفرنسية المسنة، جوسلين، بعد وفاة زوجته. هذه المسؤولية تقوده إلى رحلة داخلية لاستكشاف مشاعره المتضاربة تجاه الماضي والحاضر، وتجاه الثقافتين اللتين تشكلان هويته.
خريطة لوجدان المهاجر العربي
تعتبر رواية “أيتها القُبّرة” بمثابة خريطة تفصيلية لوجدان المهاجر العربي في الغرب، حيث يواجه صراعًا دائمًا بين الحفاظ على جذوره والانخراط في مجتمع جديد. لا تركز الرواية على الأحداث الخارجية المثيرة، بل تتجه نحو أعماق النفس البشرية، وتكشف عن هشاشة الوجود الإنساني وقدرته على التكيف مع الظروف الصعبة.
تتميز الرواية بأسلوبها السردي الهادئ والبطيء، الذي يسمح للقارئ بالتأمل في التفاصيل الصغيرة واستكشاف المعاني الخفية. يعتمد السالمي على الحوار الداخلي للشخصيات، وعلى الرموز والإيحاءات، لخلق جو من الغموض والتشويق.
الشيخوخة والوحدة
تتناول الرواية موضوعي الشيخوخة والوحدة بعمق وصدق، من خلال شخصية جوسلين، التي تمثل النهاية الحتمية للحياة. تعيش جوسلين في عزلة تامة في قرية فرنسية نائية، وتشعر بالضياع والنسيان. يجد محمد منصور في رعايتها فرصة للتعبير عن إنسانيته، وللتغلب على شعوره بالوحدة والغربة.
الذاكرة والهوية
تلعب الذاكرة دورًا محوريًا في الرواية، حيث تعود الشخصيات باستمرار إلى الماضي، وتستحضر ذكرياتهم الجميلة والمؤلمة. تتشابك ذكريات محمد منصور عن تونس مع ذكرياته عن باريس، وتخلق لديه شعورًا بالانتماء المزدوج والضياع. يسعى محمد منصور إلى فهم هويته، وإلى إيجاد مكان له في هذا العالم المتغير.
الصراع الثقافي الصامت في “أيتها القُبّرة”
لا تقدم الرواية صراعًا ثقافيًا مباشرًا أو صاخبًا، بل تصور احتكاكًا يوميًا وهادئًا بين الثقافتين العربية والفرنسية. يتجلى هذا الاحتكاك في التفاصيل الصغيرة، مثل صعوبة نطق الأسماء العربية باللغة الفرنسية، أو في اختلاف العادات والتقاليد. يوضح السالمي أن التواصل بين الثقافات ليس دائمًا سهلاً، وأنه يتطلب الكثير من الصبر والتفهم.
يستخدم السالمي رمز القُبّرة للتعبير عن الحرية والذاكرة والحياة العابرة. تغني القُبّرة في الحقول والحدائق، وتذكر محمد منصور بوطنه الأم، وبأحلامه الضائعة. القُبّرة هي أيضًا رمز للأمل، حيث تواصل الغناء رغم كل الصعاب.
تعتبر الرواية إضافة قيمة إلى الأدب العربي المعاصر، حيث تقدم رؤية جديدة ومبتكرة لتجربة الهجرة وتأثيرها على النفس البشرية. تتميز الرواية بأسلوبها السردي الرصين، وبشخصياتها المعقدة، وبقدرتها على إثارة التساؤلات الوجودية العميقة.
من المتوقع أن تثير الرواية نقاشات واسعة في الأوساط الأدبية والثقافية، وأن تساهم في فهم أفضل لتحديات المهاجرين العرب في الغرب. سيراقب النقاد والمحللون مدى تأثير الرواية على القراء، وكيف ستساهم في تشكيل الوعي العربي بقضايا الهجرة والهوية. من المرجح أيضًا أن يتم ترجمة الرواية إلى لغات أخرى، مما سيزيد من انتشارها وتأثيرها على مستوى العالم.













