وسط الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها قطاع غزة، تبرز قصص ملهمة لأطفال يعبرون عن مأسيهم وأحلامهم بطرق إبداعية. الطفلة الفلسطينية سارة سعدة، البالغة من العمر 15 عامًا، نموذج لتلك الإرادة القوية، فهي تستخدم فرشاتها وألوانها لتوثيق الدمار والنزوح، وتحويل الألم إلى رسالة تصل للعالم، في ظل ما أفرزته الحرب من معاناة على الأطفال في غزة.
نزحت سارة مع عائلتها من بلدة بيت لاهيا شمال القطاع، وتعيش الآن في خيمة مؤقتة. ورغم فقدانها لبيتها ومدرسة، لم تتخل سارة عن شغفها بالرسم، بل وجدته ملاذًا للتعبير عن مشاعرها وطريقةً لمواجهة الصدمات النفسية التي سببتها الحرب.
رسم الأطفال في غزة.. نافذة على الواقع
تكمن أهمية فن سارة في قدرته على إيصال أصوات الأطفال الذين يعانون في صمت. فهي لا ترسم مجرد صور للدمار، بل تحاول تجسيد المشاعر والأحاسيس التي تراودهم في ظل هذه الظروف القاسية. ووفقًا لمختصين اجتماعيين، يلعب الفن دورًا حيويًا في مساعدة الأطفال على التعامل مع الصدمات النفسية والتعامل مع فقدان الأمن والاستقرار.
توضح سارة أنها بدأت تطوير مهاراتها في الرسم كوسيلة لإخراج الخوف والألم الذي كانت تشعر به. وأضافت أنها وجدت في الرسم طريقةً لملء وقتها بعد توقف الدراسة بسبب الحرب، مؤكدةً أن اللوحات أصبحت جزءًا من روتينها اليومي ووسيلةً للاستمرار، خاصةً وأن غالبية المدارس في غزة تحولت إلى ملاجئ للنازحين.
ترسم سارة مشاهد متنوعة تعكس واقع الحياة في غزة خلال الحرب، مثل البيوت المدمرة والشوارع المهجورة والنازحين الذين يبحثون عن مأوى. كما أنها ترسم مشاهد من الحياة اليومية، مثل الحصول على الماء والغذاء في ظل نقص حاد في الإمدادات.
تأثير الحرب على الصحة النفسية للأطفال
تظهر رسومات سارة تأثير الحرب على الصحة النفسية للأطفال في غزة. فمن خلال ألوانها القاتمة وخطوطها الحادة، تنقل سارة شعورًا بالحزن واليأس والخوف. وقد لفتت سارة في حديثها إلى أن أكثر مشهد أثر فيها كان لطفل أصيب بحروق أثناء تلقيه الطعام؛ وهو ما دفعها لتوثيق هذه اللحظة المؤلمة في لوحة فنية.
وتشير تقارير صادر عن منظمات إنسانية إلى أن الآلاف من الأطفال في غزة يعانون من اضطرابات نفسية نتيجة الحرب، وأن العديد منهم يحتاجون إلى دعم نفسي واجتماعي متخصص. وتؤكد هذه المنظمات على أهمية توفير مساحات آمنة للأطفال للتعبير عن مشاعرهم وتخفيف معاناتهم.
لم يقتصر إبداع سارة على تجسيد المعاناة، بل امتد ليشمل رسم شخصيات تركت أثرًا فيها، مثل المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي. وتوضح سارة أنها رسمت ألبانيزي تقديرًا لجهودها في تسليط الضوء على الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون في غزة، ودفاعها عن القضية الفلسطينية.
كما رسمت سارة لوحة أطلقت عليها اسم “الوحدة” تعبر عن إحساسها بالحرمان من التعليم والابتعاد عن الأصدقاء. وتؤكد سارة أن الرسم تحول من مجرد هواية إلى رسالة تسعى من خلالها إلى نقل واقع الأطفال في غزة إلى العالم.
وتعتبر رسومات سارة وثيقة بصرية مهمة تسلط الضوء على الأزمة الإنسانية في غزة، وتذكر العالم بمعاناة الأطفال الفلسطينيين. وتحظى أعمالها باهتمام كبير من قبل الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، الذين يشاركونها على نطاق واسع للتعريف بقضية فلسطين.
الوضع الإنساني في غزة.. تحديات مستمرة
على الرغم من التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، إلا أن الوضع الإنساني في غزة لا يزال صعبًا للغاية. فما زالت هناك آلاف المنازل مدمرة، ومعظم البنية التحتية متضررة، ونقص حاد في الإمدادات الأساسية من الماء والغذاء والدواء. ويحتاج قطاع غزة إلى جهود دولية مكثفة لإعادة الإعمار وتقديم المساعدات الإنسانية اللازمة.
وتشير منظمة الأمم المتحدة إلى أن إعادة إعمار غزة ستستغرق سنوات وتكلف مليارات الدولارات. و تواجه عملية الإعمار صعوبات عديدة بسبب الحصار المفروض على القطاع، وتأخر وصول المواد اللازمة للإعمار.
تأمل سارة وأقرانها أن يساهم وقف إطلاق النار في تحسين الوضع الإنساني في غزة، وأن يتمكنوا من العودة إلى مدارسهم وممارسة حياتهم بشكل طبيعي. وتؤكد سارة أنها ستواصل الرسم رغم الظروف الصعبة، لأنها تعتبره وسيلة للتعبير عن أملها في مستقبل أفضل.
في الأيام القليلة القادمة، من المتوقع أن تبدأ المنظمات الدولية في تقييم الأضرار بشكل كامل ووضع خطط لإعادة الإعمار. ومع ذلك، تبقى التحديات كبيرة، وتعتمد سرعة وفعالية عملية الإعمار على الالتزام الدولي وتقديم الدعم المالي والتقني اللازم. وسيبقى الوضع الإنساني في غزة رهن المتابعة الدقيقة لتقلبات الوضع الأمني والسياسي.













