شوهدت مؤخراً مقاطع فيديو متداولة على نطاق واسع تظهر سحبًا ضخمة على شكل “فطر المشروم” فوق مدن إيرانية، خاصةً طهران، مما أثار مخاوف من وقوع انفجارات نووية. ومع ذلك، فإن شكل سحابة المشروم ليس دائمًا مؤشرًا على انفجار نووي، بل هو ظاهرة فيزيائية يمكن أن تحدث نتيجة أنواع مختلفة من الانفجارات أو الحرائق الهائلة.
ترسخ الاعتقاد بأن سحابة المشروم هي علامة حتمية على انفجار نووي في الوعي العام، لكن الفيزياء تقدم تفسيراً أكثر دقة. هذا الشكل المميز هو نتيجة طبيعية لديناميكا الموائع، وتحديداً ما يُعرف بـ “حالة عدم الاستقرار لرايلي تايلور”. بمعنى آخر، يمكن أن تنتج هذه الظاهرة عن انفجارات أو حرائق كبيرة، سواء كانت نووية أو غير نووية، إذا توفرت الظروف المناسبة.
ارتفاع السحابة
جوهر هذه الظاهرة يكمن في ما يُعرف بـ “الطفو الحراري”. عندما يحدث انفجار قوي أو حريق هائل، تتشكل كرة من الغاز شديدة السخونة وأقل كثافة من الهواء المحيط. هذا الفرق في الكثافة يخلق قوة طفو تدفع الغاز الساخن إلى الأعلى بسرعة، مكونةً عمودًا صاعدًا.
أثناء الصعود، يمتص العمود الهواء المحيط والغبار وبخار الماء، مما يزيد من حجمه وتعقيده. هذه المرحلة تشبه إلى حد كبير ما يحدث في سحب العواصف الرعدية، ولكن بوتيرة أسرع وأكثر عنفًا. مع استمرار الارتفاع، يصل العمود الساخن إلى طبقات جوية أكثر استقرارًا أو إلى مستوى تتوازن فيه كثافته مع كثافة الهواء المحيط.
عند هذه النقطة، يبدأ التمدد الأفقي بدلاً من الصعود العمودي المستمر. يتباطأ مركز العمود بينما تستمر الحواف في الالتفاف للخارج، مما يشكل “قبعة” عريضة فوق “ساق” رفيعة نسبيًا، وهو الشكل الذي يشبه فطر المشروم. تلعب دوامات القص على أطراف العمود دورًا مهمًا في تشكيل السحابة ومنحها مظهرها المميز.
انفجارات أخرى
الانفجار النووي يطلق طاقة هائلة في جزء من الثانية، مما يخلق كرة نار بدرجات حرارة وضغوط استثنائية. هذه الطاقة الكبيرة تولد عمود طفو قويًا ومنتظمًا يصل إلى ارتفاعات شاهقة بسرعة، مما يجعل شكل المشروم الكلاسيكي واضحًا جدًا. ومع ذلك، فإن نفس المبادئ الفيزيائية تعمل في انفجارات أخرى، والفرق يكمن غالبًا في المقياس والوضوح.
يمكن للانفجارات الكيميائية الكبيرة، مثل تفجر مخازن الذخيرة أو خزانات الوقود أو المواد الصناعية عالية الطاقة، أن تولد سحبًا فطرية الشكل إذا كانت الطاقة المنطلقة كبيرة ومركزة زمنيًا. مثال على ذلك هو انفجار مرفأ بيروت في أغسطس/آب 2020، والذي كان انفجارًا كيميائيًا وليس نوويًا، ولكنه أنتج شكل سحابة المشروم بسبب قوته الشديدة.
حتى حرائق الغابات الضخمة يمكن أن تنتج أعمدة حرارية قوية تولد سحبًا تعرف باسم “بايروكومولوس” أو “بايروكومولونيمبوس”. قد تكتسب هذه السحب مظهرًا مشابهًا للمشروم عندما يرتفع عمود الهواء الساخن بسرعة ويتوسع في الأعلى. في هذه الحالة، المصدر ليس موجة صدمة انفجارية بل إطلاق حراري مستمر وشديد.
سمات “النووي”
علميًا، لا يمكن اعتبار سحابة المشروم دليلًا قاطعًا على انفجار نووي. التمييز الحقيقي يعتمد على مؤشرات أخرى مثل شدة الوميض الأولي وأنماط موجة الصدمة والقياسات الإشعاعية وتركيب المواد المتساقطة لاحقًا. لذلك، قد يكون التشابه البصري مضللاً إذا تم عزله عن بقية الأدلة. التلوث الإشعاعي هو أحد أهم المؤشرات التي يجب البحث عنها.
وحتى 2 مارس/آذار 2026، لا يوجد دليل موثق وموثوق على وقوع تفجير نووي داخل إيران. أبرز ما يمكن الاستناد إليه هو ما نقلته تقارير عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 28 فبراير/شباط 2026 بأنها لم ترصد أي “أثر إشعاعي” مرتبط بالضربات الأخيرة، وهو ما يضعف فرضية وقوع انفجار نووي أو حدوث تلوث إشعاعي علني يمكن التقاطه عبر القياسات المعروفة. الوكالة الدولية للطاقة الذرية تواصل مراقبة الوضع.
عادةً ما يترك التفجير النووي بصمات يصعب إخفاؤها، مثل قرائن إشعاعية أو رصد غازات نبيلة عبر شبكات المراقبة المنتشرة في الدول المجاورة لمصدر الإشعاع، أو إشارات زلزالية مميزة إذا كان التفجير تحت الأرض. وحتى الآن، لا يظهر ما يفيد بوجود مثل هذه المؤشرات.
من المتوقع أن تستمر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تحليل البيانات المتاحة وتقييم الوضع في إيران. سيتم نشر أي نتائج جديدة بمجرد توفرها. من المهم متابعة التطورات من مصادر موثوقة وتجنب نشر المعلومات المضللة أو غير المؤكدة.













