أصدر مستشفى سدرة للطب بالدوحة، بالتعاون مع جامعة كينغز كوليدج لندن، خريطة جينية شاملة لسكان دولة قطر، مما يمثل خطوة هامة في فهم التنوع الجيني في المنطقة العربية. يأتي هذا البحث المدعوم من مجلس قطر للبحوث والتطوير والابتكار، بهدف تعزيز دقة الرعاية الصحية القائمة على الجينات وتوسيع نطاق الأبحاث العلمية المتعلقة بالصحة الوراثية.
تُعد هذه الدراسة، التي نُشرت نتائجها مؤخرًا، الأكبر والأكثر تفصيلاً حتى الآن فيما يتعلق بالتحليل الجيني لسكان قطر، حيث تم فحص أكثر من 6 آلاف جينوم. وتهدف إلى سد فجوة كبيرة في البيانات الجينومية العالمية، والتي تعاني من نقص تمثيل المجموعات السكانية العربية، وبالتالي التأثير على دقة التشخيص والعلاج للأفراد من هذه المجموعات.
أهمية دراسة التنوع الجيني في دولة قطر
على مدى العقد الماضي، شهدت قواعد البيانات الجينومية العالمية نموًا هائلاً، مما أتاح فرصًا غير مسبوقة للبحث العلمي. ومع ذلك، يظل تمثيل الأشخاص من أصول عربية محدودًا، مما يعيق فهمًا كاملاً للاختلافات الجينية التي قد تكون فريدة لهذه المجموعات السكانية. هذا النقص في التمثيل يمكن أن يؤدي إلى نتائج غير دقيقة في الدراسات الجينومية العالمية، وبالتالي التأثير سلبًا على الرعاية الصحية المستقبلية.
أشار البروفيسور خالد فخرو، رئيس قسم الأبحاث في سدرة للطب، إلى أن هذه الدراسة لا تقتصر على رسم خريطة شاملة للمتغيرات البنيوية في الجينوم القطري، بل تربطها أيضًا ببيانات صحية واسعة النطاق من بنك قطر الحيوي. هذا الربط يتيح للباحثين فهمًا أعمق للعلاقة بين الجينات والصحة، ويقدم موردًا عالميًا فريدًا لدراسة علم الوراثة لدى الشعوب العربية.
التركيز على التغيرات البنيوية في الحمض النووي
تركزت معظم الدراسات السابقة على التغيرات الصغيرة في تسلسل الحمض النووي، والتي تتضمن تعديلات طفيفة في الشفرة الوراثية. لكن هذه الدراسة الجديدة تركز على التغيرات البنيوية، وهي تغيرات واسعة النطاق تؤثر على مقاطع طويلة من الحمض النووي، وقد تتضمن فقدان أو تكرار أو إعادة ترتيب أجزاء من المادة الوراثية. تعتبر هذه التغيرات البنيوية ذات أهمية خاصة لأنها يمكن أن تؤثر على عدد كبير من الجينات.
كشف التحليل عن أكثر من 150 ألف تغيير بنيوي في مجتمع الدراسة، حيث يؤثر أكثر من 12 ألفًا منها على مناطق داخل الجينات المسؤولة عن إنتاج البروتينات. هذه النتائج تقدم رؤى جديدة حول العوامل الوراثية التي قد تساهم في الأمراض الشائعة في المنطقة.
الأستاذ إلبي علييف، الباحث الرئيسي الأول في الدراسة، أكد أن هذا العمل يضيف بعدًا معرفيًا جديدًا لأبحاث علم الوراثة على مستوى العالم. من خلال توفير خريطة شاملة للتغيرات البنيوية في الجينوم القطري، تساهم الدراسة في جهود جعل الطب الدقيق أكثر شمولية ودقة.
تشير النتائج إلى وجود ارتباط بين العديد من هذه الجينات وعمليات بيولوجية مرتبطة بصحة القلب والتمثيل الغذائي ومرض السكري. وهذا يتوافق مع ارتفاع معدلات الأمراض الاستقلابية وأمراض القلب والأوعية الدموية في مجتمع الدراسة، مما يؤكد أهمية البحث في العوامل الوراثية التي تساهم في هذه الأمراض.
يُعد برنامج الجينوم القطري رائدًا في إدراج الجينومات العربية في قواعد البيانات الجينومية العالمية، من خلال توفير بيانات صحية تفصيلية وبيانات جينومية واسعة النطاق. هذا الجهد يساهم في تعزيز التعاون الدولي في مجال البحوث الجينومية وتحسين الرعاية الصحية للمجتمعات العربية.
من المتوقع أن تستمر الأبحاث في هذا المجال، مع التركيز على دراسة الأمراض النادرة والحالات الوراثية والمخاطر الصحية الخاصة بالسكان. ستعتمد هذه الدراسات على الأسس التي وضعتها الدراسة الحالية، والتي توفر فهمًا أعمق للعلاقة بين التركيب الجيني والصحة. من المهم متابعة التطورات في هذا المجال، حيث يمكن أن تؤدي إلى اكتشافات جديدة في مجال الطب الوراثي وتحسين الرعاية الصحية للمجتمعات العربية والعالمية.
في المستقبل القريب، من المرجح أن يتم استخدام هذه البيانات لتطوير اختبارات تشخيصية أكثر دقة وعلاجات شخصية للأمراض الوراثية. كما يمكن أن تساعد في تحديد الأفراد المعرضين لخطر الإصابة بأمراض معينة، مما يتيح لهم اتخاذ تدابير وقائية لتقليل هذا الخطر. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات يجب التغلب عليها، مثل الحاجة إلى جمع المزيد من البيانات الجينومية وتحسين فهمنا للعلاقة بين الجينات والبيئة.













