ليس من المستغرب أن تمارس الكائنات البحرية سلوك التمويه لحماية نفسها، ولكن اكتشافًا حديثًا أذهل العلماء: نوع من الحبار يعيش في أعماق المحيط الهادئ يظهر سلوكًا فريدًا من نوعه، حيث يتنكر في هيئة نبات. هذا الاكتشاف، الذي قاده فريق بحثي بريطاني، يسلط الضوء على التنوع البيولوجي المذهل في أعماق البحار، ويقدم رؤى جديدة حول استراتيجيات البقاء المعقدة التي تستخدمها هذه الكائنات.
قاد فريق البحث أليخاندرا ميخيا-ساينز من الجمعية الاسكتلندية لعلوم البحار، بالتعاون مع باحثين من جامعة ساوثهامبتون والمركز الوطني لعلوم المحيطات. تم هذا الاكتشاف أثناء مسح بصري لقاع البحر في منطقة “كلاريون–كليبرتون” باستخدام مركبة آلية تعمل عن بعد ومزودة بكاميرات عالية الدقة.
سلوك التمويه المذهل للحبار العميق
أظهرت التسجيلات الحبار وهو يختبئ تحت طبقة من الطين، معلقًا رأسه إلى الأسفل ومجساته الطويلة ممتدة للأعلى. هذا الوضع الفريد يجعله يشبه النباتات البحرية مثل الإسفنج والمرجان، مما يوفر له تمويهًا فعالًا ضد المفترسات المحتملة. هذا السلوك، الذي لم يتم توثيقه من قبل في هذا النوع من الحبار، يمثل إضافة مهمة إلى فهمنا لكيفية تكيف الكائنات الحية مع البيئات القاسية في أعماق البحار.
وصف الباحثون هذا التمويه بأنه “خدعة مزدوجة”، فهو لا يحمي الحبار من المفترسات فحسب، بل قد يساعده أيضًا في جذب الفرائس. من خلال تقليد النباتات البحرية، قد يجذب الحبار القشريات الصغيرة التي تتغذى عليها، مما يوفر له مصدرًا غذائيًا سهلًا.
اكتشاف نوع جديد من الحبار
بالإضافة إلى سلوك التمويه غير المسبوق، تشير الأدلة إلى أن هذا الحبار قد يمثل نوعًا جديدًا غير موصوف علميًا من حبار المجسات السوطية (Mastigoteuthidae). هذه الفئة من رأسيات الأرجل نادرة بالفعل، ولم يتم رصد سوى 33 حالة وجود لها في منطقة “كلاريون–كليبرتون” خلال أربعين عامًا من البحث.
وفقًا لدراسة نشرت في دورية “إيكولوغي”، فإن هذا الاكتشاف يبرز أهمية مواصلة استكشاف أعماق البحار لفهم التنوع البيولوجي الهائل الذي تحتويه. إن فهم هذه الكائنات وسلوكياتها أمر بالغ الأهمية لحماية هذه النظم البيئية الهشة.
تعتبر منطقة “كلاريون–كليبرتون” من المناطق الغنية بالمعادن، مما يجعلها هدفًا محتملًا للتعدين في أعماق البحار. يثير هذا الأمر قلقًا بالغًا بين العلماء، الذين يحذرون من أن التعدين يمكن أن يدمر الرواسب القاعية ويؤثر سلبًا على الكائنات الحية النادرة التي تعيش فيها.
تؤكد أليخاندرا ميخيا-ساينز: “نحن نعرف القليل جدًا عن الحياة في أعماق البحار، وربما نخاطر بتدمير أنظمة بيئية كاملة قبل أن نفهمها أو حتى نكتشف سكانها”. وتدعو إلى إجراء المزيد من البحوث قبل البدء في أي عمليات تعدين في أعماق البحار.
تعتبر هذه الاكتشافات بمثابة تذكير بأهمية حماية البيئة البحرية العميقة، وهي بيئة لا تزال غامضة إلى حد كبير. من المتوقع أن يستمر البحث في منطقة “كلاريون–كليبرتون” في السنوات القادمة، بهدف فهم أفضل للتنوع البيولوجي الموجود هناك وتقييم المخاطر المحتملة للتعدين في أعماق البحار. سيتم تحليل البيانات الإضافية التي تم جمعها لتحديد ما إذا كان هذا الحبار يمثل بالفعل نوعًا جديدًا، ولفهم سلوكه بشكل كامل.
الكلمات المفتاحية: الحبار العميق، التمويه، أعماق البحار، التنوع البيولوجي، التعدين البحري.













