في دراسة حديثة، كشف باحثون عن استراتيجية مثيرة للاهتمام في عالم النمل، حيث تفضل بعض الأنواع زيادة أعدادها على تعزيز دفاعات كل فرد. هذه الاستراتيجية، التي قد تبدو غير منطقية للوهلة الأولى، أثبتت نجاحها في تعزيز قوة المستعمرة بشكل عام. النتائج، التي نُشرت في دورية ساينس أدفانسز في الأول من مايو 2026، تلقي الضوء على المفاضلات التطورية بين الجودة والكمية في الأنواع الاجتماعية.
العلماء وجدوا أن بعض أنواع النمل قللت من الاستثمار في حماية كل عامل على حدة، واختارت بدلاً من ذلك تخصيص الموارد لإنتاج المزيد من العمال. هذا النهج، على عكس ما هو متوقع، لم يضعف المستعمرة بل عززها من خلال الاستفادة من قوة الأعداد والتنظيم.
استراتيجية النمل: الكثرة تغلب الجودة
يركز البحث على “الكيوتكل”، وهي الطبقة الخارجية الصلبة التي تحمي هيكل النملة من العوامل البيئية والافتراس. اكتشف الفريق أن زيادة سمك هذه الطبقة تتطلب موارد غذائية نادرة، مثل النيتروجين والمعادن. وبالتالي، فإن الاستثمار المفرط في حماية الفرد قد يحد من النمو السكاني للمستعمرة بأكملها.
قام الباحثون بتحليل بيانات من مسوحات أشعة سينية ثلاثية الأبعاد لأكثر من 500 نوع من النمل، لقياس حجم الكيوتكل مقارنة بحجم الجسم. أظهرت التحليلات أن الأنواع التي استثمرت بشكل أقل في هذه “الدروع” الخارجية تميل إلى امتلاك مستعمرات أكبر وأكثر ازدهارًا.
هذا لا يعني أن النمل الأقل حماية هو أضعف، بل يعني أن المستعمرة ككل تعتمد على استراتيجية مختلفة. بدلاً من الاعتماد على قوة دفاعية فردية عالية، تعتمد على الأعداد الكبيرة والتنظيم الدقيق لتقسيم العمل لضمان بقاء المستعمرة.
المفاضلة بين الجودة والكمية
توضح الدراسة أن هناك مفاضلة تطورية بين الجودة والكمية. فالاستثمار في حماية الفرد قد يكون مفيدًا في بيئات معينة، ولكنه قد يكون مكلفًا للغاية في بيئات أخرى. في المقابل، فإن الاستثمار في زيادة الأعداد قد يكون أكثر فعالية من حيث التكلفة، خاصة في الأنواع الاجتماعية التي يمكنها الاستفادة من قوة العمل الجماعي.
تعتمد هذه الاستراتيجية على مبدأ أن الكثرة يمكن أن تعوض عن ضعف الدفاعات الفردية. فمن خلال وجود عدد كبير من العمال، يمكن للمستعمرة أن تتحمل خسائر أكبر وأن تستمر في العمل بكفاءة.
أوجه التشابه مع الاستراتيجيات العسكرية والبشرية
يشير الباحثون إلى وجود تشابه “مفهومي” مع الاستراتيجيات العسكرية في التاريخ البشري. ففي بعض الحالات، تراجعت أهمية الفارس المدرّع، وهو مقاتل قوي ولكنه مكلف، لصالح وحدات أكبر وأكثر تخصصًا. هذا التحول يعكس فهمًا متزايدًا لقيمة الأعداد والتنظيم في تحقيق النصر.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن ربط هذه النتائج بمفاهيم رياضية مثل قوانين لانشستر، التي تصف كيف تؤثر الأعداد وقوة النيران في نتيجة الاشتباكات. توضح هذه القوانين أن الكثرة المنظمة يمكن أن تتغلب على قوة فردية أعلى، خاصة عندما يكون لدى كل مقاتل القدرة على استهداف العدو مباشرة.
تُظهر الدراسة أيضًا أهمية فهم العوامل التي تؤثر في نجاح الأنواع الاجتماعية، مثل الكفاءة في استخدام الموارد، والتنظيم الاجتماعي، وقدرة الأفراد على التعاون. هذه العوامل، مجتمعة، يمكن أن تحدد ما إذا كانت استراتيجية “الجودة” أو “الكمية” هي الأكثر فعالية.
من المتوقع أن يستمر الباحثون في استكشاف هذه الظاهرة، مع التركيز على تحديد العوامل البيئية والاجتماعية التي تؤثر في اختيار استراتيجية “الجودة” أو “الكمية”. كما يخططون لإجراء دراسات ميدانية لمراقبة سلوك النمل في بيئاته الطبيعية. ستساعد هذه الجهود في فهم أفضل للتطور الاجتماعي وكيف تتكيف الأنواع مع التحديات المختلفة. من المهم أيضًا مراقبة ما إذا كانت هذه النتائج يمكن تطبيقها على فهم الأنظمة الاجتماعية الأخرى، بما في ذلك المجتمعات البشرية.













