في اكتشاف مثير للاهتمام، كشف باحثون عن نوع جديد من العث يتطفل على العناكب في البرازيل، مما يسلط الضوء على العلاقات المعقدة في عالم الحشرات. هذا التطفل، الذي تم توثيقه في معهد بوتانتان في ساو باولو، يظهر كيف يمكن للكائنات الحية الصغيرة أن تتلاعب بدورة حياة الكائنات الأخرى، حتى المفترسات القوية مثل العناكب. الدراسة، التي نشرت في دورية “إنترناشونال جورنال أوف أكارولوجي”، تقدم رؤى جديدة حول التنوع البيولوجي والتفاعلات الطفيلية.
تم جمع العناكب المصابة من منطقة بينهيرال في ولاية ريو دي جانيرو، بالقرب من الكهوف والمغارات. ولاحظ الباحثون أن يرقات العث كانت تتطفل على عناكب فتية من ثلاث عائلات مختلفة، مما يشير إلى أن هذا النوع من التطفل ليس متخصصًا في عائلة معينة من العناكب. هذا الاكتشاف يثير تساؤلات حول مدى انتشار هذه الظاهرة في البيئات الأخرى.
اختيار دقيق لـ العناكب
تختار يرقات العث نقطة لينة على جسم العنكبوت لتبدأ عملية التطفل. تبدأ اليرقات بامتصاص سوائل الجسم من خلال هذه النقطة، المعروفة باسم “السويقة”، وهي منطقة ضعيفة نسبياً تربط بين أجزاء الجسم المختلفة للعنكبوت. هذه المنطقة تكون أقل حماية، مما يسهل على اليرقات اختراقها والتغذي منها.
وبحسب الدراسة، يرجح الباحثون أن استهداف العناكب الصغيرة هو سلوك انتهازي. العناكب الصغيرة تكون أضعف في بنيتها الدفاعية، مما يجعلها أكثر عرضة للتطفل. هذا يسمح لليرقات بالتمسك والتغذي بنجاح دون أن تتعرض للطرد أو القتل من قبل العنكبوت.
يبلغ طول اليرقات المكتشفة حوالي 500 ميكرومتر، أي ما يقرب من نصف مليمتر. هذا الحجم الصغير يجعلها غير مرئية تقريبًا بالعين المجردة، ولكن تأثيرها على العناكب واضح، حيث تبدو اليرقات منتفخة بعد امتصاص السوائل، مما يجعلها تبدو وكأنها خرزات متورمة متراصة على جسم العنكبوت.
نوع جديد من العث الطفيلي
أجرى العلماء فحصًا دقيقًا للعينات باستخدام المجاهر وتقنيات التصوير المتعددة لتحديد ووصف نوع جديد من العث الطفيلي. أطلقوا على هذا النوع اسم “أرانيوثرومبيوم برازيلينيسيس”. هذا الاكتشاف يضيف إلى المعرفة المتزايدة حول التنوع البيولوجي في البرازيل، وهي منطقة غنية بالحياة البرية.
هذا النوع هو ثاني نوع معروف من العث يتطفل على العناكب في البرازيل، وهو أول تسجيل لعائلة هذا العث في البلاد. هذا يشير إلى أن هناك المزيد من الاكتشافات المحتملة في انتظار الباحثين في هذا المجال.
التطفل وعلاقته بالفطريات
التطفل على العناكب ليس مقتصرًا على العث فقط. في بعض الحالات، يمكن أن يكون الطفيل من الفطريات. هذه الفطريات لا تكتفي بسحب السوائل من العناكب، بل يمكنها أيضًا التأثير على سلوكها واستخدامها كوسيلة لانتشار الأبواغ.
أحد الأمثلة المعروفة على ذلك هو عنكبوت “ميتيلينا ميريانا”، حيث يمكن لفطر معين أن ينتشر في جسده ويتحكم في حركته. يدفع الفطر العنكبوت إلى التحرك نحو مكان مرتفع مكشوف، مثل سقف كهف، حيث يطلق أبواغه لتنتشر. هذه العملية تحول العنكبوت إلى ما يشبه “الزومبي”، حيث يكون حيًا ولكنه يتحرك بشكل آلي.
تعتبر الأبواغ هي الوحدات التكاثرية الصغيرة التي ينتجها الفطر. انتشارها ضروري لتكاثر الفطر واستمراره. يمكن تشبيه الأبواغ بحبوب اللقاح عند النباتات، حيث يتم حملها بواسطة الرياح أو الحشرات إلى أماكن جديدة.
هذا الاكتشاف يفتح نافذة صغيرة على العلاقات الخفية داخل الشبكات البيئية. نحن نعرف العناكب عادةً بوصفها مفترسات للحشرات، ولكن هنا نرى طفيليًا صغيرًا يستغل العنكبوت نفسه. فهم هذه التفاعلات المعقدة أمر بالغ الأهمية للحفاظ على التنوع البيولوجي وصحة النظم البيئية.
من المتوقع أن يقوم الباحثون بمزيد من الدراسات لتحديد مدى انتشار هذا النوع من العث الطفيلي في مناطق أخرى من البرازيل، وكذلك لفهم الآليات الدقيقة التي يستخدمها للتطفل على العناكب. من المهم أيضًا مراقبة تأثير هذا التطفل على أعداد العناكب وعلى النظام البيئي بشكل عام. هذه الأبحاث ستساعد في توفير صورة أكثر اكتمالاً عن التفاعلات المعقدة التي تحدث في عالم الحشرات.












