تحول محيط البرلمان الفرنسي في باريس إلى ساحة احتجاج واسعة النطاق، حيث احتشد المزارعون بجراراتهم للتعبير عن قلقهم العميق بشأن مستقبل القطاع الزراعي في فرنسا. يأتي هذا التحرك الاحتجاجي في ظل تصاعد التوترات حول السياسات الزراعية، وعلى رأسها اتفاقية التجارة الحرة المرتقبة مع تكتل “ميركوسور” في أمريكا الجنوبية، والتي يخشى المزارعون أن تضر بمصالحهم وتزيد من صعوباتهم الاقتصادية.
بدأ الاحتجاج يوم الثلاثاء، وشهد تجمعًا لمئات المزارعين الذين أوقفوا جراراتهم أمام الجمعية الوطنية، في مشهد غير مسبوق يعكس حالة الإحباط والغضب المتزايدين في أوساطهم. ويأتي هذا التصعيد بعد أسابيع من الاحتجاجات المتفرقة، حيث يطالب المزارعون بتدابير حكومية عاجلة لحماية دخلهم وتحسين ظروف عملهم.
مطالب المزارعين الفرنسيين وتأثير اتفاقية ميركوسور
تتركز مطالب المزارعين حول عدة نقاط رئيسية، تشمل وقف أي مسار يؤدي إلى المصادقة على اتفاقية تجارية تسمح بدخول منتجات زراعية لا تلتزم بالمعايير الأوروبية الصارمة. كما يطالبون بتبسيط الإجراءات الإدارية المعقدة التي تعيق عملهم، وتوفير دعم مالي إضافي لمواجهة ارتفاع تكاليف الإنتاج، بما في ذلك أسعار الأسمدة والطاقة.
وتعتبر اتفاقية “ميركوسور” محور القلق الرئيسي للمزارعين، حيث يخشون من تدفق المنتجات الزراعية الرخيصة من دول أمريكا الجنوبية، والتي قد لا تخضع لنفس المعايير البيئية والصحية التي تطبق على المنتجات الأوروبية. ويرى المحتجون أن هذا التدفق قد يؤدي إلى انخفاض أسعار المنتجات الفرنسية، وبالتالي إلى تدهور دخلهم وزيادة خسائرهم.
الوضع الاقتصادي للزراعة الفرنسية
يعاني القطاع الزراعي في فرنسا من تراجع في الدخل وارتفاع في تكاليف الإنتاج، بالإضافة إلى الضغوط المتزايدة المرتبطة بالسياسات البيئية الأوروبية. وقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى تفاقم حالة الإحباط والغضب لدى المزارعين، الذين يشعرون بأنهم مهمشون وغير قادرين على المنافسة في السوق العالمية.
وتشير التقارير إلى أن العديد من المزارع الفرنسية تواجه صعوبات مالية كبيرة، مما يهدد بقاءها على قيد الحياة. وقد أدى ذلك إلى زيادة الدعوات إلى تقديم دعم حكومي عاجل لحماية القطاع الزراعي وضمان استدامته.
وفي تصريحات للجزيرة نت، قال المزارع لويس مارشان القادم من شمال فرنسا: “غادرنا الاثنين الساعة التاسعة والنصف مساء من منطقة سوكلين، ووصلنا في وقت مبكر من صباح الثلاثاء أمام البرلمان. ما زلنا نطالب بنفس الأمور التي سئمنا من تكرارها”. وأضاف مارشان: “من اتفاقية التجارة الحرة مع تكتل ميركوسور إلى ضريبة الأسمدة وغيرها، لم نحصل على إجابات واضحة ولم نعد نتوقع شيئا لأن جميع وعود الحكومة كاذبة”.
ردود الفعل الحكومية ومستقبل الاحتجاجات
أعربت الحكومة الفرنسية عن تفهمها لمطالب المزارعين، وأكدت التزامها بالدفاع عن مصالح القطاع الزراعي. وقد أعلن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عن إطلاق “قانون زراعي طارئ” لمعالجة بعض المشاكل العاجلة التي تواجه المزارعين.
ومع ذلك، يرى العديد من المزارعين أن هذه الإجراءات غير كافية، وأن الحكومة بحاجة إلى تقديم حلول أكثر جذرية وشاملة لمعالجة الأسباب الجذرية للأزمة. ويطالبون بإعادة النظر في اتفاقية “ميركوسور” وتعديلها لضمان حماية مصالحهم.
وفي أعقاب اجتماع بين ممثلي المزارعين ووزيرة الزراعة آني جنيفارد، بدأ المزارعون في مغادرة باريس في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، معبرين عن استعدادهم لمواصلة النضال في حال عدم تلبية مطالبهم. وقد أكدوا أنهم سيتوجهون إلى ستراسبورغ في 20 يناير/كانون الثاني للتظاهر ضد اتفاقية “ميركوسور” إذا تم توقيعها.
من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة مزيدًا من المفاوضات بين الحكومة والمزارعين، في محاولة للوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف. ومع ذلك، لا يزال مستقبل القطاع الزراعي في فرنسا غير واضح، ويتوقف على قدرة الحكومة على الاستجابة لمطالب المزارعين وتوفير الدعم اللازم لحماية مصالحهم.













