يأتي الرعب عندما تلمس الحواس ما لا يجب أن تقترب منه، أن ترى بابا يفتح فيما يفترض أنه جدار، أن تصادف لزوجة الدم بدلا من سيولة الماء، وأن ترى ميتا يعدو نحوك. لكن السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية شهدت رعبا جديدا تمثل في انهيارات اقتصادية وكوارث مناخية، وجائحة حاضرة في الذاكرة، كما لو كانت بالأمس فقط. ومع استمرار هذه الأحداث، أصبح الرعب جزءًا لا يتجزأ من التجربة الإنسانية، مما أثر بشكل كبير على صناعة السينما، وخاصةً أفلام الرعب.
فيلم “بعد 28 عاما”، الذي صدر في 23 يناير 2026، يمثل عودة إلى عالم سلسلة “بعد 28 يوما” الشهيرة، لكنه يقدم منظورًا مختلفًا تمامًا. فبدلاً من التركيز على الصدمة الأولية للكارثة، يستكشف الفيلم حالة التعايش الدائم مع الخوف واليأس، وكيف يتكيف البشر مع عالم فقد فيه الأمل معناه.
عالم ما بعد البقاء: تحول مفهوم الرعب
تدور أحداث الفيلم بعد ثلاثة عقود من تفشي وباء دمر بريطانيا، تاركًا وراءه مجتمعًا متفككًا لا يسعى إلى إعادة البناء، بل إلى مجرد البقاء. يختلف هذا الجزء عن سابقيه في أنه لا يركز على الإثارة والتشويق التقليديين، بل على الحالة النفسية للشخصيات، وكيف تعاملت مع فقدان كل شيء. الفيلم لا يقدم حلولاً أو بطولات، بل يصور واقعًا مريرًا حيث الخوف هو القاعدة، والأمل هو الاستثناء.
الذاكرة والوقت كعناصر أساسية
يستكشف الفيلم بعمق تأثير الذاكرة على النفس البشرية، وكيف يمكن للماضي أن يطارد الحاضر. تجسد شخصية “إسلا”، التي تؤديها جودي كومر، هذا الجانب من خلال حملها لذكرى العالم قبل الكارثة، مما يجعلها تشعر بالغربة والانفصال عن الواقع الجديد. كما أن استخدام الزمن كعنصر أساسي في السرد يساهم في إبراز فكرة الدوران في حلقة مفرغة من اليأس.
يركز الفيلم على مجموعة من الناجين، بمن فيهم “جيمي” (آرون تايلور جونسون) الذي ولد ونشأ في عالم ما بعد الكارثة، و”الدكتور كيلسون” (رالف فينيس) الذي يمثل جيل الشهود على السقوط. تتقاطع قصصهم لتشكل صورة بانورامية عن الحياة في ظل اليأس، وكيف يختلف كل فرد في طريقة تعامله مع الخوف.
يتميز الفيلم بأسلوبه البصري الهادئ والمتقن، والذي يعكس الحالة النفسية للشخصيات. لا توجد مشاهد عنف مفرطة أو مؤثرات بصرية مبهرجة، بل يتم التركيز على التفاصيل الصغيرة والتعبيرات الدقيقة التي تكشف عن عمق المعاناة الإنسانية. هذا الأسلوب يساهم في خلق جو من الكآبة والتشاؤم يسيطر على المشاهد.
من الصدمة إلى الدوام: تحول في نوعية الرعب
يمثل فيلم “بعد 28 عاما” تحولًا في مفهوم الرعب السينمائي، حيث ينتقل من التركيز على الصدمة الأولية إلى استكشاف الحالة الوجودية للخوف. فالفيلم لا يسعى إلى إخافة المشاهدين، بل إلى جعلهم يتأملون في طبيعة الخوف، وكيف يمكن أن يسيطر على حياتنا. هذا النوع من الرعب، الذي يطلق عليه “الرعب الوجودي”، يهدف إلى إثارة التساؤلات الفلسفية حول معنى الحياة والموت، والحرية والقدر.
في الأجزاء السابقة من السلسلة، كان الخوف يأتي من المجهول، ومن التهديد الخارجي. أما في هذا الجزء، فالخوف يأتي من الداخل، من إدراك أن لا شيء سيتغير، وأن العالم قد فقد كل أمل في الخلاص. هذا التحول يعكس التغيرات التي طرأت على المجتمع، وكيف أصبحنا أكثر وعيًا بالتهديدات الوجودية التي تواجهنا، مثل تغير المناخ والحروب والأوبئة.
يعتبر الفيلم بمثابة نقد للنوع السينمائي نفسه، وللحظة الثقافية التي أنتجت الفيلم الأول. فقد كان الفيلم الأول بمثابة احتفال بالنصر، وبقدرة الإنسان على التغلب على الصعاب. أما هذا الجزء، فهو يقدم رؤية أكثر تشاؤمًا، حيث لا يوجد نصر، ولا يوجد خلاص.
تأثيرات ما بعد الجائحة والسينما المعاصرة
يأتي هذا الفيلم في سياق عالمي لا يزال يتعافى من جائحة كوفيد-19، والتي تركت آثارًا عميقة على الصحة النفسية للمجتمعات. يعكس الفيلم هذا الواقع من خلال تصويره لحالة اليأس والتعايش مع الخوف، وكيف يمكن للأحداث الكارثية أن تغير نظرتنا إلى الحياة. بالإضافة إلى ذلك، يتناول الفيلم قضايا أخرى ذات صلة بالواقع المعاصر، مثل العزلة الاجتماعية وفقدان الثقة في المؤسسات.
من المتوقع أن يثير الفيلم جدلاً واسعًا في الأوساط السينمائية والنقدية، نظرًا لجرأته في تقديم رؤية جديدة لمفهوم الرعب. كما أنه قد يؤثر على توجهات صناعة السينما، ويدفع المخرجين إلى استكشاف أبعاد جديدة للنوع السينمائي. من الجدير بالملاحظة أن الفيلم يعتمد على أداء تمثيلي قوي من قبل الممثلين الرئيسيين، مما يساهم في إضفاء مصداقية على القصة والشخصيات.
من المنتظر أن يتم تحليل ردود فعل الجمهور والنقاد خلال الأسابيع القادمة، لتحديد مدى تأثير الفيلم على صناعة السينما. كما سيتم متابعة أي قرارات أو مشاريع جديدة تتعلق بالسلسلة، أو بإنتاج أفلام رعب مماثلة. يبقى أن نرى ما إذا كان “بعد 28 عاما” سيشكل نقطة تحول في تاريخ الرعب السينمائي، أم أنه سيبقى مجرد تجربة فريدة من نوعها.













