يتحرك التاريخ في دوائر، ويأتي في المرة الأولى كدراما عادية، وفي الثانية يبدو مهزلة. ولكن ذلك التكرار لا يأتي كأحداث متطابقة، إنما كأنماط منطقية متكررة. وقد برزت سياسات حافة الهاوية النووية، والثقة المفرطة بالتكنولوجيا، والاعتقاد بإمكانية “إدارة” الكوارث منذ منتصف القرن العشرين. وقد برز فيلم دكتور سترينجلوف كعمل سينمائي استشرف هذه الأنماط قبل تجسدها بالكامل، ولا يزال يحمل صدىً قوياً حتى اليوم.
أنتج فيلم “دكتور سترينجلوف” أثناء الحرب الباردة، وفي ظل أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، واستقبل في البداية كعمل ساخر لاذع عن السياسة النووية. وبعد أكثر من 6 عقود، يبدو الفيلم تشخيصا دقيقا لكيفية فشل أنظمة القوة، حيث لم تتكرر أحداث التاريخ، لكن الكوارث الحديثة لا تكون ناجمة عن الجنون وحده، بل تنتج عن أنظمة عقلانية تعمل دون أي تصور أخلاقي.
فيلم دكتور سترينجلوف: رؤية سينمائية تتجاوز الزمن
لم يكن ستانلي كوبريك يؤمن بقدرة السينما على التنبؤ بأحداث محددة، لكنه كان يؤمن إيمانا راسخا بقدرتها على كشف الحقائق البنيوية. في مقابلة أجراها عام 1968 مع مجلة “كراسات السينما” الفرنسية، قال إن المجتمعات الحديثة ابتكرت تقنيات “بالغة التعقيد لدرجة أن البشر الذين يتحكمون بها لم يعودوا يفهمون عواقبها فهما كاملا”. من هذا القلق، ولد فيلم “دكتور سترينجلوف”.
شارك في كتابة سيناريو الفيلم تيري ساذرن وبيتر جورج، واقتبس عن رواية للكاتب البريطاني بيتر جورج “الإنذار الأحمر”. تخلى كوبريك عن الاقتباس المباشر أثناء العمل على السيناريو بعد أن اقتنع أن الواقعية عاجزة عن تجسيد العبثية الكامنة في المنطق النووي نفسه. يشير قرار كوبريك هذا إلى نية مبيتة للسخرية من الأنظمة التي تخلط بين الحكمة والإجراءات.
السينما كمرآة للواقع السياسي
يعتبر الفيلم تحذيراً مبكراً من مخاطر التصعيد النووي، ويسلط الضوء على هشاشة السيطرة على الأسلحة المدمرة. كما أنه يقدم نقداً لاذعاً للبيروقراطية العسكرية والسياسية، وكيف يمكن للقرارات المتخذة في غرف مغلقة أن تؤدي إلى عواقب وخيمة على البشرية جمعاء. الفيلم لا يركز على الخوف من الحرب النووية فحسب، بل على العبثية الكامنة في التفكير الاستراتيجي الذي يقود إليها.
نظام بصري وفوضى أخلاقية
اختار المخرج أن يكون عمله بالأبيض والأسود ليركز على التناظر، والمساحات المغلقة، والتسلسل الهرمي الصارم. وتجسد “غرفة الحرب”، التي تعد أكثر مواقع التصوير شهرة في تاريخ السينما، التناقض الجوهري للفيلم الذي يتمثل في نظام بصري مطلق يخفي فوضى أخلاقية.
ويظهر تصميم الإنتاج لكين آدمز القوة كشكل هندسي، إذ توحي الطاولة الدائرية الضخمة، والمضاءة كالمذبح، بسلطة عقلانية. ورغم ذلك، فإن كل قرار يتخذ داخل هذه المساحة يدفع باتجاه الكارثة. ولا ينكسر الهدوء البصري أبدا بالهستيريا، بل على العكس، يكثف الرعب بتطبيعه.
أشار كوبريك في حوار صحفي إلى أنه أراد أن تبدو “غرفة الحرب جادة بما يكفي لجعل الكوميديا مقلقة”. هذا التوازن أساسي لقوة الفيلم الدائمة، فالكاميرا لا تبالغ في ردود الفعل، ولا تنشأ الكوميديا من الإفراط البصري، بل من التفاوت بين جدية القرارات والثقة العفوية التي تتخذ بها.
الشخصيات كأدوار لا كأبطال
لا يقدم الفيلم بطلاً رئيسياً، لأن الشخصيات فيه مجرد امتداد للمنطق المؤسسي. ويمثل قائد المجموعة ليونيل ماندريك الطاعة الإجرائية، بينما يجسد الجنرال جاك دي ريبر الاستبداد المرضي، أما الرئيس ميركين مافلي فهو عقلاني، ومهذب، ولكنه عديم الفائدة بشكل كارثي.
لا يعد أداء بيتر سيلرز للشخصيات الـ 3 التي جسدها في الفيلم أداء استعراضيا، بل كان خيارا أساسيا. فمن خلال تجسيده لشخصيات الرئيس والعالم والضابط، كشف كيف تغيرت السلطة أقنعتها مع الحفاظ على منطقها. تبدو السلطة عقلانية، وعبثية، وعاجزة، في الوقت نفسه، وهي 3 أوجه لنظام واحد فاشل. لا يفشل بسبب الاختلافات الفردية، بل لأن أدوار أفرادها قابلة للتبادل ضمن نظام معيب.
شخصية دكتور سترينجلوف نفسه تمثل العقلانية، ويشير إلى “إمكانية النجاة” من الحرب النووية بدقة متناهية. التحليل السياسي للفيلم يظهر أن كوبريك كان يهدف إلى إظهار كيف يمكن للعقلانية البحتة، الخالية من الاعتبارات الأخلاقية، أن تقود إلى نتائج كارثية.
بناء فني متكامل
يتميز الفيلم ببناء فني متكامل، لا يمكن فصله عن مضمونه. فالألوان ليست للمتعة، فقد اعتمد ستانلي كوبريك التصوير بالأبيض والأسود في زمن كانت السينما الملونة هي الشغل الشاغل للجمهور والصناع. تحتل هذه الاختيارات تكوينا دلاليا، ففوضى الرمادي هي التي تبني علاقة عميقة جذرية، فالعالم الرمادي رمز لعالم يبدو منطقيا ومنظما وهميا من الخارج؛ ما يخفي داخله فوضى أخلاقية عميقة يظهرها الفيلم.
يلعب الديكور وتصميم المواقع دورا أساسيا في بناء المعنى، خصوصا في (غرفة الحرب). الطاولة الدائرية، والإضاءة المنبعثة من أعلى تصيبك بالذهول وتوهمك بالسيطرة والعقلانية، لكن شكلها الجارح ينقض على الكلمات الفارغة التي يطلقون بها شعاراتهم. كوبريك يصور السلطة كإطار مرسوم بدقة، هادئ، ومتيقن، تتحرك فيه قرارات الحياة والموت ببرود إداري يفضح كوارثها الأخلاقية.
تعزز حركة الكاميرا الإحساس بأن الكارثة لا تأتي من الانفعال، بل من الهدوء الزائد. فهي لا تلهث خلف الحدث، بل تراقبه من مسافة، كما لو كانت شاهدا محايدا على انهيار العقل. اللقطات القريبة لوجوه المسؤولين تبرز التناقض بين جدية الملامح وسخف الأفكار المطروحة.
لا يعتمد الإيقاع السردي على تصاعد درامي تقليدي، بل على تكرار المواقف وتراكم المفارقة. إذ يبدو كل مشهد منطقيا في ذاته، لكن إجمالي المشاهد يقود إلى نتيجة عبثية وكارثية. ويعكس هذا الإيقاع البارد فكرة أن الكارثة الحديثة تنشأ من سلسلة إجراءات صحيحة شكليا.
رغم مرور 6 عقود على إصداره، لا يزال فيلم دكتور سترينجلوف حاضرا برؤيته الثاقبة ومطالبه التي لم تتم تلبيتها، فالترسانات النووية موجودة. ولا تزال التكنولوجيا الحديثة تتوغل في حياة الإنسان، وتسيطر عليها. السينما، من خلال هذا العمل، تذكرنا بأهمية التفكير النقدي والمسؤولية الأخلاقية في مواجهة التحديات العالمية.
من المتوقع أن يستمر الفيلم في إثارة النقاش حول مخاطر الحرب النووية ودور التكنولوجيا في تشكيل مستقبلنا. التحليل السينمائي المستقبلي قد يركز على مدى صلة الفيلم بالأحداث الجيوسياسية الحالية، مثل التوترات المتزايدة بين القوى العظمى. يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت البشرية ستتعلم من أخطاء الماضي، أم أنها ستكررها في المستقبل.













