أكد رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى تعزيز حضوره الاقتصادي والسياسي في عالم يشهد تحولات كبيرة، وذلك في أعقاب توقيع اتفاقية تجارية شاملة مع الهند هذا الأسبوع. وتُعتبر هذه الاتفاقية، التي وصفها البعض بأنها “أم كل الصفقات”، خطوة استراتيجية نحو تنويع الشراكات التجارية وتقليل الاعتماد على أسواق محدودة، وتعزيز الاستقرار في ظل التوترات الجيوسياسية المتزايدة. هذه الخطوة تأتي بالتزامن مع البحث عن بدائل لسياسات التجارة الدولية القائمة.
جاءت تصريحات كوستا خلال مقابلة مع “يورونيوز” من نيودلهي بعد إتمام الصفقة يوم الثلاثاء. وأشار إلى أن الاتفاقية توفر بيئة أكثر قابلية للتنبؤ للشركات والمستثمرين، وتساهم في تعزيز الأمن الاقتصادي في عالم يتسم بعدم اليقين و التقلبات المستمرة. وشدد على أهمية هذه الاتفاقية كرسالة عالمية حول التعاون بدلاً من الصراع.
اتفاقية التجارة مع الهند: تعزيز النظام التجاري المتعدد الأطراف
تُمثل اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي والهند تطوراً هاماً في سياق الجهود العالمية لإعادة تشكيل العلاقات التجارية. وتهدف الاتفاقية إلى خفض الرسوم الجمركية على أكثر من 90% من الصادرات الأوروبية إلى الهند، مما يوفر وفورات متوقعة تصل إلى 4 مليارات يورو سنوياً، وفقًا للتقديرات الأوروبية. هذا التخفيض يهدف إلى تسهيل التجارة بين الطرفين وزيادة التبادل التجاري في مختلف القطاعات.
ورداً على سؤال حول ما إذا كانت هذه الصفقة تمثل تحولاً بعيداً عن النظام التجاري المتعدد الأطراف، نفى كوستا ذلك بشدة. وأوضح أن الاتفاقية تعزز، في الواقع، هذا النظام من خلال إقامة شراكات قوية وقائمة على قواعد واضحة. وأضاف أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى تعزيز القانون الدولي والانخراط في علاقات تجارية ثنائية مع مختلف مناطق العالم.
خلفية الاتفاقية والتوترات التجارية العالمية
تأتي هذه الاتفاقية في أعقاب فترة من التوترات التجارية العالمية، والتي تصاعدت مع فرض الولايات المتحدة رسوماً جمركية على العديد من الدول، بما في ذلك حلفاؤها التقليديين. و قد أدت تلك الرسوم إلى حالة من عدم اليقين في الأسواق العالمية، ودفع العديد من الدول إلى البحث عن بدائل لأسواقها التقليدية.
وعلى الرغم من التوصل إلى اتفاق بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في صيف العام الماضي، إلا أن الاتفاق أثار انتقادات واسعة النطاق. فقد رأى البعض أنه لم يمثل سوى تنازل من الاتحاد الأوروبي أمام الضغوط الأمريكية، حيث أدى إلى مضاعفة الرسوم الجمركية المفروضة في السابق على بعض الصادرات الأوروبية.
وفي المقابل، رد الاتحاد الأوروبي بتنشيط أجندته التجارية، والسعي إلى إقامة شراكات جديدة مع دول واعدة في مختلف أنحاء العالم. وتعتبر اتفاقية التجارة مع الهند جزءاً من هذه الجهود.
تتعرض الهند أيضاً لضغوط تجارية من الولايات المتحدة، حيث فرضت واشنطن رسوماً جمركية بنسبة 50% على بعض الصادرات الهندية انتقاماً من استمرار نيودلهي في شراء النفط الروسي. وتأمل الهند أن تساهم اتفاقية التجارة مع الاتحاد الأوروبي في تخفيف الضغط التجاري عليها.
وعندما سُئل كوستا عن الخشية من أي رد فعل من الإدارة الأمريكية على اتفاقية الاتحاد الأوروبي والهند، أجاب قائلاً: “لماذا؟ لقد توصلنا إلى اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة وهو الآن قيد المصادقة في البرلمان الأوروبي. نحن نقوم بتنويع علاقاتنا التجارية.”
وأكد مسؤول أوروبي لـ “يورونيوز” أن التعقيدات الجيوسياسية المتزايدة والرسوم الجمركية المفروضة من قبل الولايات المتحدة ساهمت في زيادة الزخم للمفاوضات مع الهند. وأضاف كوستا أن اتفاقيات التجارة أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى في ظل الظروف الاقتصادية العالمية الصعبة، لأنها تساعد على تحقيق الاستقرار في العلاقات التجارية.
من جهته، صرح وزير التجارة الهندي بيوش غويال بأن سياسات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لم تكن موضوعاً للنقاش خلال المحادثات الثنائية بين الجانبين. وأيد كوستا هذه التصريحات، مؤكداً أن القمة كانت مخصصة لمناقشة العلاقات بين الهند والاتحاد الأوروبي فقط.
وتشير التوقعات إلى أن هذه الاتفاقية ستعزز العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الاتحاد الأوروبي والهند. ومن المتوقع أن يرتفع حجم التبادل التجاري بين الطرفين بشكل كبير في السنوات القادمة، مما سيساهم في خلق فرص جديدة للشركات والمستثمرين في كلا الجانبين. فيما يتعلق بالخطوات القادمة، سيتم إحالة الاتفاقية للمصادقة عليها من قبل البرلمان الأوروبي، ومن المتوقع أن تستغرق العملية عدة أشهر. يجب مراقبة أي تطورات جيوسياسية أو تغييرات في السياسات التجارية الأمريكية، والتي قد تؤثر على تنفيذ الاتفاقية ونتائجها.













