في ظل التوترات الجيوسياسية المتزايدة، يواجه القادة الأوروبيون معضلة دبلوماسية دقيقة تتمحور حول محاولة موازنة علاقاتهم مع الولايات المتحدة، خاصةً مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية واحتمال عودة دونالد ترامب إلى السلطة. يشمل هذا التحدي قضايا حساسة مثل الضمانات الأمنية لأوكرانيا، ومستقبل العلاقات التجارية بين الجانبين، وأخيراً، مسألة السيادة على غرينلاند.
تعتبر أوروبا الشريك الأكبر في تقديم المساعدات لأوكرانيا، لكنها تعترف بأهمية الدعم العسكري الأمريكي وتورط واشنطن في أي مفاوضات لإنهاء الحرب. هذا الاعتماد يضع القادة الأوروبيين في موقف صعب، حيث يسعون لتجنب أي إجراءات قد تثير غضب ترامب وتعرض هذه الدعم للخطر.
نظرة على الرسوم الجمركية الأمريكية وتأثيرها على أوروبا
لطالما كانت التهديدات بفرض رسوم جمركية عقابية على السلع الأوروبية من الأدوات التي استخدمها ترامب في السابق للضغط على أوروبا. وقد أثارت هذه التهديدات مخاوف كبيرة في بروكسل، حيث يرى المسؤولون أن هذه الرسوم لا تمس التجارة فحسب، بل تمتد لتشمل الأمن والاستقرار الإقليمي.
صرح المفوض الأوروبي للتجارة ماروش شيفتشوفيتش في يونيو الماضي أن هذه القضية تتجاوز مجرد المنافسة التجارية، مؤكداً ارتباطها الوثيق بالأمن الأوروبي وتطورات الأزمة الأوكرانية. وبالتالي، فإن أي تصعيد في التوترات التجارية مع الولايات المتحدة يعتبر خطيراً في السياق الحالي.
الوضع ازداد تعقيداً مع تصريحات ترامب الأخيرة بشأن غرينلاند، حيث لم يستبعد إمكانية تدخل الولايات المتحدة في هذا الإقليم التابع للدنمارك، وحتى اللجوء إلى القوة العسكرية. هذا الأمر يضع الأوروبيين أمام اختبار صعب، وهو الموازنة بين التزامهم بدعم وحدة الأراضي الدنماركية، وخوفهم من إزعاج ترامب.
اجتماع “تحالف الراغبين” وتداعياته
عقد اجتماع “تحالف الراغبين” في باريس، بمبادرة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بهدف تعزيز الضمانات الأمنية لأوكرانيا. كانت مشاركة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهما مقربان من ترامب، مفاجئة ولافتة.
في نهاية الاجتماع، أعرب ماكرون عن تفاؤله بتحقيق “تقارب عملي” بين أوروبا والولايات المتحدة فيما يتعلق بالسلام في أوكرانيا. كما أشاد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بـ”التقدم الممتاز” الذي تحقق خلال الاجتماع.
لكن سرعان ما تحول النقاش إلى مسألة غرينلاند وتهديدات ترامب. سُئل ماكرون عما إذا كانت أوروبا لا تزال تثق بالولايات المتحدة في ظل هذه التهديدات، فأجاب مؤكداً أنه لا يوجد لديه أي سبب للشك في التزام واشنطن بتقديم الدعم الأمني.
ردود الفعل الأوروبية المحذرة
أشار ماكرون إلى أن الولايات المتحدة، بصفتها دولة موقعة على ميثاق الأمم المتحدة وعضواً في حلف شمال الأطلسي، تظل حليفاً قوياً لأوروبا. وقد عملت واشنطن بالفعل مع الأوروبيين في الأسابيع الأخيرة لصياغة الضمانات الأمنية اللازمة لأوكرانيا.
في المقابل، واجه ستارمر موقفاً أكثر صعوبة، حيث سُئل عن جدوى مناقشة الضمانات الأمنية لأوكرانيا بينما تتحدث واشنطن عن إمكانية ضم غرينلاند. ركز ستارمر بدوره على قوة العلاقة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة في مجالات الدفاع والأمن والاستخبارات.
وقد أصدر قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا والمملكة المتحدة والدنمارك بياناً أكدوا فيه دعمهم لـ”مبادئ السيادة ووحدة الأراضي وحرمة الحدود”، في إشارة غير مباشرة إلى الولايات المتحدة. ومع ذلك، تجنب البيان أي إدانة صريحة لفكرة ضم غرينلاند بالقوة.
يعكس هذا الحذر الأوروبي، بالإضافة إلى الوضع المتعلق بـغرينلاند، رداً مماثلاً على التدخل الأمريكي في فنزويلا، حيث فضلت أوروبا الصمت الملحوظ باستثناء إسبانيا التي عبرت عن رفضها للتدخل. وفي الكواليس، يشير مسؤولون إلى أن مواجهة ترامب مباشرة على هذه القضايا قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتقوض الجهود المبذولة لتقديم الدعم لأوكرانيا، وبالتالي خلق توترات إضافية وتأخير حل الأزمة.
في حال استمر هذا النهج الحذر، قد يؤدي إلى تآكل مصداقية الاتحاد الأوروبي في ساحة السياسة الدولية. يتزايد القلق من أن السعي وراء إرضاء ترامب بأي ثمن قد يكون له تداعيات وخيمة على الأمن والاستقرار في أوروبا. ومن المتوقع أن تزداد الضغوط على أوروبا في الأشهر المقبلة، خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية.
الخطوات القادمة ستعتمد بشكل كبير على نتائج الانتخابات الأمريكية في نوفمبر 2026. سيراقب القادة الأوروبيون عن كثب تصريحات ترامب ومواقفه تجاه القضايا الأمنية والتجارية. وفي حال فوزه بالانتخابات، سيتعين على أوروبا إعادة تقييم استراتيجيتها والبحث عن طرق جديدة للحفاظ على علاقات قوية مع الولايات المتحدة مع الدفاع عن مصالحها الخاصة.











