شهدت السينما الكورية تصاعدًا ملحوظًا في أفلام الحركة التي تتناول العنف، ليس كغاية في حد ذاته، بل كأداة لفضح التصدعات الاجتماعية والسلطوية. يعود هذا التوجه إلى عاملين رئيسيين: تأثير أفلام العنف الهوليوودية، والسياق الاجتماعي المتغير في كوريا الجنوبية، خاصةً مع تفاقم التفاوت الطبقي. فيلم “مانتيس” (Mantis) الذي تعرضه منصة نتفليكس حاليًا، يمثل نموذجًا بارزًا لهذا النوع من السينما، ويطرح أسئلة عميقة حول القانون والنظام.
يستكشف الفيلم عالم القتلة المحترفين، حيث العنف ليس مجرد فعل فردي، بل هو جزء من منظومة مؤسسية صارمة. يتميز القتلة في هذه الأفلام بتصنيفهم وتدريبهم وتقييمهم المستمر، مما يضفي على العنف طابعًا “أخلاقيًا” و”فعالًا” رغم عدم تبريره. هذا النهج يختلف عن تصوير العنف في العديد من الأفلام الأخرى، حيث يركز على الجانب البصري والاستعراضي.
العنف في السينما الكورية: أكثر من مجرد إثارة
يعتبر فيلم “مانتيس” بمثابة عمل مشتق من عالم فيلم “اقتل بوكسون” (Kill Boksoon) الذي عرض عام 2023، ولكنه يتجاوز التركيز على التوازن بين الحياة الشخصية والمهنية للقاتلة، لينغمس في حالة الفوضى وعدم الاستقرار التي تعصف بمهنة القتل. تدور أحداث الفيلم حول “مانتيس”، وهو قاتل أسطوري يعود إلى الساحة ليجد نفسه في قلب صراع على السلطة بين قتلة جدد ومنافسين قدامى.
صراع على القيادة وتشكيل المستقبل
يتصاعد التوتر مع ظهور “جاي يي”، وهو رفيق سابق لـ “مانتيس”، ليتحول الماضي المشترك إلى وقود للمواجهة. يجسد هذا الصراع اختبارًا للذاكرة والطموح والاستياء. ينضم إلى هذا المثلث التنافسي “دوك غو”، وهو قاتل متقاعد يثيره الصراع الدائر، ويمثل جيلًا مختلفًا من القتلة.
يتجاوز الصراع في الفيلم مجرد الرتبة والمكانة، ليطرح سؤالًا أعمق حول من يمتلك القدرة على تشكيل المستقبل. تتطور الأحداث من خلال مشاهد قتال متصاعدة، تكشف عن حالة عدم الاستقرار التي تسود عالم القتلة. يركز الفيلم على فكرة أن المؤسسات هي التي تمنح العنف معناه، وعندما تنهار هذه المؤسسات، يتحول القتال إلى صراع من أجل السيادة فقط.
تصوير العنف كمهنة
يعتمد فيلم “مانتيس” على الحركة والتصميم البصري لنقل أفكاره، بدلًا من الاعتماد على الحوارات المطولة أو الشرح النفسي. يركز المخرج على تصميم مشاهد القتال، التي تعبر عن حالة الفوضى والتآكل في البنية الداخلية لعالم القتلة. يتميز العنف في الفيلم بالسرعة والصمت والفعالية، دون أي مبالغة أو استعراض.
يبرز الانضباط المؤسسي في الفيلم من خلال مشهد المواجهة بين “مانتيس” و “جاي يي”، الذي يقع في ممر صناعي ضيق ومظلم. يجسد هذا المشهد الطابع المؤسسي للعنف، حيث يتم تنفيذ كل حركة بكفاءة ودقة. يركز المخرج على شخصية “مانتيس” كنموذج للانضباط والاحتراف، حيث تمكن من تطويع حياته لصالح مهنته.
تضيف شخصية “جاي يي” بعدًا آخر إلى الفيلم، حيث تمثل القدرة على التكيف والاستغلال في عالم متغير. أما شخصية “دوك غو” فهي تجسد الماضي الأسطوري، وتثير تساؤلات حول مكانة الأجيال القديمة في عالم جديد. يمثل هذا التنوع في الشخصيات انعكاسًا للتعقيدات الاجتماعية التي يتناولها الفيلم.
تصميم مشاهد القتال والجمالية البصرية
يُعد تصميم مشاهد القتال من أبرز عناصر فيلم “مانتيس”، حيث تتميز بالسرعة والدقة والواقعية. يفضل المخرج استخدام كاميرا ثابتة ومباشرة، لمتابعة حركة الممثلين دون تشتيت الانتباه. يعتمد الفيلم على ألوان هادئة وصناعية، للتأكيد على الطابع المؤسسي للعنف. يحرص المخرج على ترك مساحات زمنية قصيرة بين مشاهد القتال، لإعطاء المشاهد فرصة لالتقاط الأنفاس.
على الرغم من أن فيلم “مانتيس” لا يصل إلى العمق الإنساني والعاطفي لفيلم “اقتل بوكسون”، إلا أنه يحاول تحقيق التوازن بين الشخصية والنظام، حتى بعد انهيار هذا النظام. ينتمي الفيلم إلى تقليد طويل من أفلام الإثارة والحركة التي تتناول موضوع السلطة والعنف، وتسأل عن مبرراتهما ومن يسيطر عليهما.
من المتوقع أن تستمر منصة نتفليكس في إنتاج المزيد من الأفلام التي تستكشف عالم الجريمة والعنف في كوريا الجنوبية، في ظل النجاح الذي حققته أعمال مثل “اقتل بوكسون” و “مانتيس”. سيظل التركيز على تقديم قصص مشوقة ومثيرة، مع التركيز على الجوانب الاجتماعية والنفسية للشخصيات. يبقى أن نرى ما إذا كانت هذه الأفلام ستتمكن من تقديم رؤى جديدة ومبتكرة حول هذا الموضوع الشائك.













