لم تكن رحلة الإسكتلندي توم ستولتمان نحو لقب أقوى رجل في العالم مسارًا رياضيًا تقليديًا، بل كانت قبل كل شيء مواجهة طويلة مع الذات سبقت مواجهة الأوزان. فبعيدًا عن منصات التتويج، تبدأ حكايته من طفولة طبعتها العزلة والتنمر وشعور دائم بالاختلاف، وهو ما يجعله قصة فريدة من نوعها في عالم الرياضات القوية.
وتشير صحيفة الغارديان البريطانية إلى أن ستولتمان تعرض خلال سنوات دراسته للتنمر بسبب مظهره وصعوبات التواصل التي كان يعانيها، قبل أن يشخص في سن مبكرة باضطراب طيف التوحد. ويستعيد تلك المرحلة في حديثه للصحيفة واصفًا إياها بـ”الأكثر قسوة”، إذ كان يجد صعوبة في الاندماج مع أقرانه ويميل إلى الانسحاب من الحياة الاجتماعية.
من العزلة إلى الحديد: قصة صعود أقوى رجل في العالم
لم يكن دخول عالم “القوة القصوى” حلماً واضحًا في بدايات توم ستولتمان، بل جاء أشبه بطوق نجاة أنقذه من حالة ضياع. فقد اصطحبه شقيقه الأكبر لوك ستولتمان، لاعب كمال الأجسام، إلى صالة التدريب، حيث تعرف للمرة الأولى على الأوزان الحديدية، في لحظة يصفها بأنها نقطة التحول في حياته.
في تلك المرحلة، لم يكن قادرًا سوى على رفع قضيب حديدي بوزن 20 كيلوغرامًا، لكن شيئًا فشيئًا بدأ يكتشف انجذابه العميق إلى هذا العالم الجديد. ومع الوقت، لم تعد التمارين مجرد جهد بدني، بل تحولت إلى مساحة آمنة استعاد فيها إحساسه بالسيطرة والإنجاز، وأصبح كل وزن إضافي يرفعه خطوة مزدوجة نحو بناء جسده، وترسيخ ثقته بنفسه وقدرته على مواجهة العالم.
التوحد: من قيد إلى مصدر قوة في رياضة القوة
ويشير توم ستولتمان في مقابلته مع الغارديان إلى أن التوحد ليس جزءًا من هويته الشخصية فقط بل “رمزًا لقوته”، إذ منحه قدرة استثنائية على التركيز والانضباط والالتزام الصارم بالروتين، وهي صفات حاسمة في رياضة تتطلب أقصى درجات التحمل الذهني قبل البدني. هذه القدرات ساهمت بشكل كبير في تطور أدائه البدني.
واستطاع بهذا الفهم أن يحول ما ينظر إليه اجتماعيًا على أنه عائق إلى أداة للتفوق، وكان يغلق العالم الخارجي أثناء التدريب ويكرس تركيزه بالكامل لهدفه، في رحلة طويلة من الصبر والمثابرة شكلت الأساس لنجاحه الرياضي والإنساني.
التحضير البدني والنظام الغذائي
ووفق موقع “توك سبورت” البريطاني، أعاد توم ستولتمان تشكيل جسده بالكامل على مدى سنوات طويلة من العمل الشاق والانضباط الصارم، إذ تضاعف وزنه من نحو 90 كيلوغرامًا في شبابه إلى قرابة 180 كيلوغرامًا في الثلاثينيات من عمره، ليصبح جسدًا يصفه مازحًا بأنه يعادل وزن “أسد كبير”.
ولم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل نتاج نظام دقيق يشمل 5 وجبات يومية غنية بالبروتين، إلى جانب برامج محسوبة لتدريبات القوة والاستشفاء. كما يولي اهتمامًا كبيرًا بالتعافي الجسدي والعقلي.
التتويج العالمي والإرث الذي يتركه أقوى رجل في العالم
جاءت لحظة الاعتراف العالمي عام 2021، حين توج توم ستولتمان بلقب أقوى رجل في العالم لأول مرة، في إنجاز لم يكن عابرًا ولا وليد صدفة، بل ثمرة سنوات طويلة من العمل والانضباط. ولم يتوقف هذا المسار عند لقب واحد، إذ عاد ستولتمان ليحصد اللقب مجددًا في عامي 2022 و2024، منضمًا بذلك إلى نخبة محدودة من أساطير اللعبة الذين اعتلوا منصة التتويج 3 مرات.
وتعد بطولة “أقوى رجل في العالم” المعيار الأعلى لاختبار حدود القوة البشرية، إذ تجمع نخبة الرياضيين في منافسات شاقة تمتد لأيام وتتضمن اختبارات شهيرة مثل رفع كرات أطلس العملاقة، التي تتطلب مزيجًا نادرًا من القوة البدنية والصلابة الذهنية.
ولم تكن المسيرة بلا تعثر، وبحسب صحيفة “ذا صن” البريطانية، خسر ستولتمان لقب البطولة في إحدى النسخ اللاحقة بفارق ضئيل، في منافسة وصفت بأنها من الأكثر احتدامًا في تاريخ البطولة. ورغم ذلك، تعامل مع الخسارة بهدوء، معتبرًا إياها جزءًا طبيعيًا من مسار طويل.
ما وراء العضلات: رسالة إلهام وتغيير
لا يقتصر تأثير توم ستولتمان على منصات التتويج وحدها، بل يمتد إلى ما هو أبعد من المنافسة الرياضية، نحو مساحة إنسانية أوسع. وتشير صحيفة الغارديان إلى أن حديثه العلني عن تجربته مع التوحد والتنمر حوله إلى مصدر إلهام لكثير من الشباب الذين يواجهون تحديات مشابهة.
فقد أصبح ستولتمان صوتًا لمن لا تُسمع أصواتهم بسهولة، متحدثًا بصدق عن حياته مع اضطراب طيف التوحد، ورافضًا الصور النمطية التي تختزل المصابين به في صورة العاجزين. وهو يسعى دائمًا إلى رفع الوعي حول التوحد.
ويرى ستولتمان أن الاختلاف لا يمثل عائقًا بالضرورة، بل يمكن أن يتحول إلى “قوة خارقة” إذا أُحسن توظيفه. وهي رسالة جعلته نموذجًا ملهمًا خارج الحلبات، ولا سيما لدى الشباب الذين يخوضون صراع يومي مع التهميش أو صعوبات الاندماج.
ويعيش توم اليوم مع زوجته وشقيقه في إسكتلندا، حيث يديرون صالة تدريب خاصة وينشرون عبر منصات التواصل الاجتماعي محتوى يركّز على الالتزام والانضباط وبناء القوة المستدامة. ومن خلال تجربته الشخصية، يؤكد أن الطريق إلى القمة لا تصنعه العضلات وحدها، بل عقل قوي قادر على تحويل الألم والهشاشة إلى دافع للاستمرار والتفوق.
من المتوقع أن يستمر توم ستولتمان في المنافسة في البطولات القادمة، مع التركيز أيضًا على تطوير برنامجه التدريبي ونشر رسالته الإيجابية. يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان سيتمكن من الحفاظ على لقبه في السنوات القادمة، ولكن المؤكد أنه سيظل مصدر إلهام للكثيرين.













