تداولت منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام القليلة الماضية صورًا ومقاطع فيديو تزعم توثيق استعدادات عسكرية إيرانية مكثفة، ردًا على التوترات الإقليمية المتصاعدة واحتمال تدخل أمريكي. ركزت هذه المواد بشكل خاص على نشر الدفاعات الجوية، وتحركات قوات الحرس الثوري، وتجهيز البنية التحتية الصاروخية. فريق “الجزيرة تحقق” قام بتحليل دقيق لهذه الادعاءات، وتبين أن غالبية هذه المواد إما قديمة، أو مُعدلة باستخدام الذكاء الاصطناعي، أو خارجة عن سياقها الزمني والمكاني، مما يثير تساؤلات حول دوافع نشرها في هذا التوقيت. هذا التحقيق يركز على فحص دقة هذه المعلومات المتداولة حول الاستعدادات العسكرية الإيرانية.
الادعاءات بتصعيد عسكري إيراني جاءت في ظل تزايد المخاوف من مواجهة مباشرة بين طهران وواشنطن، خاصةً بعد الهجمات الأخيرة التي استهدفت المصالح الأمريكية في المنطقة. وتشمل هذه المخاوف ردود فعل محتملة على الدعم الأمريكي لإسرائيل في الصراع مع حماس، بالإضافة إلى العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران. هذه التوترات دفعت العديد من المراقبين إلى البحث عن مؤشرات على استعدادات عسكرية، وهو ما انعكس في انتشار واسع للمعلومات على وسائل التواصل الاجتماعي.
فحص الادعاءات المتعلقة بالاستعدادات العسكرية الإيرانية
صور بطاريات الدفاع الجوي والصواريخ المضادة للسفن
انتشرت صور لبطاريات صواريخ ومضادات أرضية، وزُعم أنها تظهر نشرًا جديدًا لصواريخ مضادة للسفن على طول السواحل الخليجية استعدادًا لمواجهة بحرية محتملة. لكن التحقق الرقمي من هذه الصور، ومقارنتها بمصادر مفتوحة، كشف أنها التُقطت خلال عروض عسكرية سابقة، وتم تداولها في مناسبات احتفالية داخل إيران. لا يوجد دليل حديث يشير إلى تحركات ميدانية استثنائية أو إعادة انتشار واسعة للقوات البحرية الإيرانية في المنطقة.
ادعاءات نقل عناصر الحرس الثوري إلى المدارس
تداول مستخدمو منصة “إكس” صورًا زعمت أنها تُظهر نقل عناصر من الحرس الثوري من قواعدهم العسكرية إلى مدارس مدنية، في إطار استعدادات لضربة أمريكية محتملة. لكن البحث العكسي عن هذه الصور وتحليل سياقها الزمني أظهر أنها تعود إلى الثامن من يناير/كانون الثاني الماضي، خلال فترة الاحتجاجات الداخلية في إيران. الصور الأصلية تظهر إجراءات أمنية داخلية مرتبطة بالسيطرة على الاضطرابات المحلية، ولا علاقة لها بتصعيد خارجي أو استعدادات عسكرية.
مقاطع الفيديو المولدة بالذكاء الاصطناعي
كما انتشرت مقاطع فيديو أخرى زعمت أنها تُظهر استعدادات إيرانية لشن عملية هجومية استباقية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، متضمنة مشاهد لإطلاق صواريخ وتحركات عسكرية في مواقع سرية. التحليل التقني لهذه المقاطع كشف عن مؤشرات واضحة على أنها مُولدة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك التشوهات البصرية، وعدم اتساق الظلال، وتكرار أنماط الحركة، وغياب أي مصدر موثوق للنسخ الأصلية.
صور صواريخ موجهة من تحت الأرض
تداول البعض مقطع فيديو قُدم على أنه يُظهر تجهيز إيران لصواريخ موجهة على مركبات تُستخدم من تحت الأرض، كجزء من استعدادات لردع أي هجوم. لكن البحث العكسي أظهر أن المقطع يعود إلى نحو تسع سنوات مضت، ونُشر في سياق استعراض عسكري إيراني سابق، كعرض للقدرات الصاروخية. المشاهد تتطابق مع تسجيلات أرشيفية من عام 2017، مما يؤكد أن الفيديو قديم ولا يعكس أي تحرك عسكري جديد.
تأثير المعلومات المضللة على التصورات الإقليمية
إن انتشار المعلومات المضللة حول القدرات العسكرية الإيرانية يساهم في تأجيج التوترات الإقليمية وزيادة حالة عدم اليقين. هذه المعلومات قد تؤدي إلى سوء تقدير النوايا، واتخاذ قرارات متسرعة، وتصعيد غير ضروري للصراع. من المهم التحقق من صحة المعلومات قبل تداولها، والاعتماد على مصادر موثوقة لتقييم الوضع على الأرض. التحليل العسكري الدقيق هو المفتاح لفهم التطورات الحقيقية في المنطقة.
في الوقت الحالي، لا يوجد دليل قاطع على استعدادات عسكرية إيرانية واسعة النطاق تتجاوز التدريبات الروتينية والعروض العسكرية المجدولة. ومع ذلك، من المتوقع أن تستمر إيران في تعزيز قدراتها الدفاعية، والاستعداد لمواجهة أي تهديدات محتملة. ستراقب الأوساط الدولية عن كثب التطورات في المنطقة، وستبحث عن أي مؤشرات على تصعيد إضافي. من المرجح أن يتم التركيز على المفاوضات الدبلوماسية كطريقة لتخفيف التوترات، ولكن نجاح هذه الجهود يبقى غير مؤكدًا.













