دمشق – مع استمرار التطورات الميدانية في شمال شرق سوريا، تتزايد التساؤلات حول مستقبل “الإدارة الذاتية” الكردية، وهو مشروع سياسي وإداري نشأ خلال سنوات الحرب. يشكل التقدم الأخير للجيش السوري ضغطاً متزايداً على هذه الإدارة، خاصةً بعد اتفاقيات جديدة تهدف إلى إعادة دمج القوات الكردية في الجيش النظامي، مما يثير جدلاً حول مستقبل الحكم الذاتي في المنطقة.
تأتي هذه التطورات في سياق تحولات أوسع تشهدها الساحة السورية، حيث أعادت التفاهمات السياسية الأخيرة رسم العلاقة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). الاتفاق الأخير لوقف إطلاق النار يمثل نقطة تحول محتملة، وفتح الباب أمام مقاربة جديدة لملف شمال البلاد وشرقها، مع التركيز على استعادة سيطرة الحكومة المركزية.
مستقبل الإدارة الذاتية في ظل التغيرات الميدانية
لطالما شكل طرح الحكم اللامركزي جوهر مطالب “الإدارة الذاتية” خلال جولات الحوار مع دمشق، باعتباره الضمانة الأساسية لاستمرار نفوذها وخصوصيتها الإدارية. ومع ذلك، تشير التفاهمات الأخيرة إلى توجه نحو تجاوز هذا الطرح، مع التركيز على الاعتراف الرسمي بحقوق وطنية للأكراد، مثل اللغة والثقافة والتمثيل السياسي، كبديل عن نموذج الحكم الذاتي السابق.
وقّع الرئيس السوري مؤخراً اتفاقاً لوقف إطلاق النار والاندماج الكامل لقوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري، بعد تطورات أمنية وعسكرية ملحوظة. هذا الاتفاق يهدف إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة، ووضع حد للوجود المسلح غير النظامي، وتعزيز سلطة الدولة على كامل أراضيها.
تداعيات الاتفاق على قسد والنفوذ الكردي
يرى المحللون السياسيون أن الاتفاق الأخير يمثل تحدياً كبيراً لـ “الإدارة الذاتية”، حيث يحد من قدرتها على العمل بشكل مستقل، ويضعها تحت سيطرة الحكومة المركزية. هذا التحول قد يؤدي إلى تغييرات جذرية في هيكل السلطة في مناطق شمال وشرق سوريا، وتقليل النفوذ السياسي والعسكري لقسد.
بالإضافة إلى ذلك، قد يؤثر الاتفاق على العلاقة بين الأكراد والجهات الفاعلة الأخرى في المنطقة، بما في ذلك تركيا، التي تعتبر قسد امتداداً لحزب العمال الكردستاني (PKK) المحظور. من المتوقع أن تسعى تركيا إلى تعزيز دورها في المنطقة، وضمان عدم تهديد الأكراد لأمنها القومي.
الاندماج في الجيش السوري: خطوة نحو الاستقرار أم تغيير ديموغرافي؟
يعتبر دمج عناصر قسد في الجيش السوري خطوة رئيسية نحو تحقيق الاستقرار في المنطقة، وفقاً لوجهات نظر حكومية. يهدف هذا الإجراء إلى توحيد القوات المسلحة، وتعزيز الأمن القومي، ومنع أي محاولات لتقويض سلطة الدولة. ومع ذلك، يثير هذا الاندماج مخاوف بشأن مستقبل العناصر الكردية في الجيش، واحتمال تعرضهم للتهميش أو الاضطهاد.
يرى مراقبون أن نجاح عملية الاندماج يعتمد على ضمان حقوق جميع العناصر، وتوفير فرص متساوية للجميع، وتجنب أي ممارسات تمييزية. كما يتطلب ذلك بناء الثقة بين الحكومة المركزية والأكراد، وإيجاد حلول سياسية مرضية لجميع الأطراف.
الوضع في الحسكة: الاختبار الحقيقي للاتفاق
مع تعثر محتمل لتنفيذ بنود الاتفاق الأخير، تبدو محافظة الحسكة مرشحة لأن تكون ساحة الاختبار الأهم في المرحلة المقبلة. الحسكة تمثل مركزاً ثقلاً لـ “قسد” على المستويين العسكري والإداري، وتضم أكبر عدد من السكان الأكراد في سوريا. كما تشهد المحافظة توتراً متزايداً بين القوات الحكومية وقسد، مما يزيد من صعوبة تطبيق الاتفاق.
بالإضافة إلى الحسكة، تحافظ مناطق ريف حلب الشرقي، وفي مقدمتها مدينة عين العرب (كوباني)، على خصوصية سياسية واجتماعية تجعلها خارج منطق الحسم السريع. يتطلب التعامل مع هذه المناطق مقاربات أكثر تعقيداً، تأخذ في الاعتبار المصالح المتنوعة للأطراف المعنية.
من المتوقع أن تشهد الأيام والأسابيع القادمة مزيداً من المفاوضات والتطورات الميدانية في شمال وشرق سوريا. سيكون من الأهمية بمكان مراقبة تنفيذ بنود الاتفاق الأخير، ورد فعل الأكراد والجهات الفاعلة الأخرى في المنطقة، وتأثير هذه التطورات على مستقبل الأزمة السورية بشكل عام. يبقى مستقبل الحكم الذاتي في سوريا أمراً غير مؤكد، ويتوقف على التوصل إلى حلول سياسية شاملة ومستدامة.










