في السنوات الأخيرة، شهد مجال الذكاء الاصطناعي تطورات متسارعة، مع سعي الشركات والمؤسسات البحثية لتحقيق اختراقات نوعية. جاء نموذج “أو3” (o3) من شركة “أوبن إيه آي” ليُثير اهتمامًا واسعًا، بعد أن أظهر نتائج واعدة في اختبار “إيه آر سي-إيه جي آي” (ARC-AGI)، مما يرجح كفاءته في التقدم نحو تحقيق الذكاء الاصطناعي العام.
أعلنت “أوبن إيه آي” عن تطوير نموذج “أو3” في ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، لكنه لم يُطرح للاستخدام العام بعد، بل هو قيد الاختبارات الداخلية لضمان سلامته. يأتي هذا النموذج عقب تقييمات متباينة حول تباطؤ وتيرة التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي، ليؤكد أن الإمكانات الابتكارية لا تزال قوية.
فجر جديد للذكاء الاصطناعي العام
يُعدّ اختبار “إيه آر سي” (ARC)، الذي طوّره الباحث فرانسوا شولت، معيارًا مهمًا لقياس قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي على التعامل مع مهام جديدة تتطلب التفكير المجرد والتكيف مع الظروف المختلفة. لقد حقق “أو3” نسبة نجاح بلغت 75.5% في هذا الاختبار باستخدام موارد حوسبة قياسية، وارتفعت إلى 87.5% مع استخدام موارد حوسبة عالية الأداء، وهو تحسن ملحوظ مقارنة بالنماذج السابقة.
ميزات نموذج “أو3” (o3) المبتكرة
يعتمد “أو3” على مجموعة من التقنيات والقدرات الجديدة التي تميزه عن سابقيه. أبرز هذه الميزات هي قدرته على “توليف البرامج”، وهي عملية تتيح له إعادة تنظيم المعرفة التي اكتسبها أثناء التدريب لتكوين حلول جديدة للمشكلات.
إضافة إلى ذلك، يتميز “أو3” بقدرته على إجراء “بحث برمجي” باستخدام اللغة الطبيعية. يعني هذا أنه يمكنه توليد وتقييم مسارات حلول متعددة للمشكلات، واختيار الحل الأنسب بناءً على معايير محددة، وهو ما يعزز من قدراته في التفكير المنطقي وحل المشكلات المعقدة. يستفيد النموذج بشكل خاص من تقنيات “سلاسل التفكير” (Chains of Thought, CoTs).
ويستخدم “أو3” ما يسمى بـ “نموذج المقيّم”، وهو آلية تعمل كحكم على تفكير النموذج نفسه، مما يجعله أقرب إلى القدرة على التفكير الحقيقي بدلاً من مجرد الاستجابة للبيانات. كما يتميز بقدرته على تنفيذ برامجه الخاصة كسلاسل تفكير لحل المشكلات التكيفية الجديدة.
تشكل هذه الميزات مجتمعة نقلة نوعية في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتفتح الباب أمام تطبيقات جديدة في مجالات متنوعة مثل الروبوتات، والقيادة الذاتية، وتحليل البيانات.
الأداء مقابل التكلفة: تحديات تواجه التطبيق العملي
على الرغم من الأداء المثير للإعجاب لنموذج “أو3″، إلا أن التكلفة المرتفعة لتشغيله قد تشكل عائقًا أمام تبنيه على نطاق واسع. يبلغ متوسط تكلفة تشغيل النموذج لحل لغز واحد في اختبار “إيه آر سي” ما بين 17 و 20 دولارًا باستخدام موارد حوسبة قياسية، وترتفع التكلفة بشكل كبير عند استخدام موارد حوسبة عالية الأداء.
هذه التكاليف تثير تساؤلات حول الجدوى الاقتصادية للاعتماد على نماذج الذكاء الاصطناعي التي تتطلب قدرات حوسبة هائلة، وتشجع على البحث عن حلول أكثر كفاءة من حيث التكلفة. كما يشير الخبراء إلى أن النموذج لا يزال يعتمد على التدريب المحدد، ويفتقر إلى القدرة على التعلم المستقل.
يرى بعض الباحثين، مثل ناثان لامبرت من معهد ألين للذكاء الاصطناعي، أن أداء “أو3” قد يكون نتيجة لعملية “بحث معزز” مكثفة، وأن النموذج لا يزال بعيدًا عن امتلاك القدرة على التجريد والفهم العميق التي تميز التفكير البشري. كما تساءلت ميلاني ميتشل عن قدرة النماذج على التعميم والتكيف مع متغيرات المهام.
في المقابل، أشارت “أوبن إيه آي” إلى أن “أو3” يمثل تطورًا في التعلّم المعزز، وأن التقدم الذي حققه يعود إلى قدرته على توليد وتقييم الحلول بشكل تلقائي. يواجه النموذج تحديات في التكلفة، وهو ما يتطلب حلاً لتحقيق التوازن بين الأداء والموارد.
بالنظر إلى هذه التحديات، فإن الخطوة التالية تتطلب تطوير خوارزميات أكثر كفاءة من حيث التكلفة، وتحسين قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي على التعلم المستقل والتكيف مع الظروف المتغيرة. من المتوقع أن تشهد الأشهر القادمة المزيد من الأبحاث والتجارب في هذا المجال، بهدف إزالة هذه العقبات وفتح الباب أمام تطبيقات عملية واسعة النطاق للذكاء الاصطناعي. التركيز البحثي المستقبلي سيكون على استكشاف فعالية النماذج في سيناريوهات مختلفة، وتقييم مدى قدرتها على معالجة التعلم الآلي بشكل مستقل.













