
د. خالد بن إبراهيم العليان
حينما استكتبت قلمي ومحبرتي للكتابة عن هذا الموضوع، تأملت في بعض الوقائع والنزاعات التي تعرض على ملفات القضاء، فظهر أن ضربًا منها يلتفه نوع غموض وتشابه في الحكم والأثر؛ ما يستتبع معه كونه مظنة لتكييفات متباينة، ومن ذلك مسألة العرض الوظيفي، ومفهوم العرض الوظيفي:
إفصاح جهة معينة -سواءً كانت شخصًا اعتباريًا أو طبيعيًا- عن رغبتها في التعاقد مع العامل بناءً لشروط ربما تضمّنه العرض الوظيفي أو ربما تركها طرفي العقد لمرحلة لاحقة، والسؤال الذي يثور هل يُعد العرض الوظيفي ملزمًا لطرفيه؟
مما يحسن تجليته أن العرض الوظيفي يُعد من قبيل الوعد بالتعاقد؛ وهي مرحلة المفاوضات التي تسبق التعاقد، فهل الوعد ملزم؟
الذي يتعين تقريره في هذه المسألة أن الوعد من حيث الأثر الفقهي يجب الوفاء به ديانةً وتعبدًا لله عز وجل، لكنه لا يلزم قضاءً، وهذا مذهب جمهور العلماء سوى المالكية الذين يوجبون الوفاء بالعقد بقيد وهو إن اتصل به دخول الموعود بسبب هذا الوعد في ضرر وكلفة فإنه يلزم حين ذاك.
أما المنظم السعودي فقرر في نظام المعاملات المدنية في المادة الثالثة والأربعون منه على أن الوعد من حيث الأصل لا يكون ملزمًا إلا إذا عُيّنَت المسائل الجوهرية في العقد المراد إبرامه، والمسائل الجوهرية محل العقد في عقود العمل والتي تدخل دخولًا أوليًا في محل العقد:
هي مدة العقد، وبداية انعقاده، ونوع العقد ومقدار الأجرة، وطبيعة العمل محل التعاقد، وبناءً لما تقدم ننتهي إلى أن المنظم السعودي سلك مسلكًا جمع فيه بين ما قرره جماهير الفقهاء فيما يتعلق بعدم لزوم الوفاء بالوعد قضاءً، واستثنى من ذلك حال تضمّن الوعد بالتعاقد على تعيين المسائل الجوهرية فيكون مُلزمًا، وهذا المسلك الذي سلكه المنظم السعودي بتقييد الإلزام بالوعد بقيد تعيين المسائل الجوهرية في صُلب الوعد إعمالاً لقاعدة المذهب المالكي، وإلا فالأصل عدم الإلزام وهذا الاتجاه يتسق مع الفقه المالكي الذي كذلك يقيد الإلزام بالعقد بدخول الموعود ومباشرته في السبب الذي عُلِق عليه هذا الوعد فيكون ملزمًا حين ذاك إزالة للضرر وما غرمه الموعود من كُلفة ومشقة.












