كشفت “الحرب على غزة” عن تحولات عميقة في دور المثقف المعاصر، وأعادت تقييم شروط الممارسة الفكرية في ظل الاستقطاب العالمي والضغوط المتزايدة. لم تقتصر التداعيات على إعادة رسم التحالفات السياسية والإنسانية، بل تجاوزت ذلك إلى اختبار الضمير الأخلاقي للمثقفين، وكشفت عن هشاشة دورهم التقليدي في مواجهة الأحداث الكبرى. هذا التحول يطرح تساؤلات حول مستقبل النقد الفكري والالتزام الأخلاقي في عالم يزداد تعقيدًا.
في أعقاب بدء العمليات العسكرية في غزة في أكتوبر 2023، شهدت الأوساط الفكرية والأكاديمية حراكًا واسعًا، تمثل في بيانات مشتركة، واستقالات احتجاجية، وتقارير عن قيود على حرية التعبير. هذه التطورات سلطت الضوء على التحديات التي تواجه المثقفين في التعبير عن مواقفهم الأخسية والسياسية، خاصةً في ظل المخاطر المهنية والمؤسسية المتزايدة.
تراجع دور المثقف في ظل الحرب على غزة
لطالما ارتبط مفهوم المثقف في الفكر الأوروبي بالقدرة على النقد البناء والتدخل في الشأن العام من موقع أخلاقي. الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، على سبيل المثال، أكد على التزام المثقف بمواجهة السلطة وكشف تناقضاتها، مع التمييز بين الالتزام والانحياز.
ومع ذلك، يبدو هذا الدور قد تراجع بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، خاصةً مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي وتزايد تأثير التمويل والاعتبارات المؤسسية. أصبح الخطاب الفكري غالبًا ما يرتبط بالظهور الإعلامي والترويج الذاتي، بدلًا من العمق والتأمل النقدي.
البيانات الجماعية والضغوط المؤسسية
أحد أبرز مظاهر الاستجابة الفكرية للحرب على غزة كان انتشار البيانات الجماعية الموقعة من قبل الكتاب والفنانين والباحثين. في أكتوبر 2023، نشرت مجلة “أرتفورم” رسالة مفتوحة تدعو إلى وقف إطلاق النار في غزة، ووقعت عليها آلاف الشخصيات الثقافية.
لكن هذه البيانات لم تخلُ من المخاطر. فقد أدت الضغوط الداخلية والخارجية إلى إقالة رئيس تحرير المجلة، ديفيد فيلاسكو، بعد أسابيع قليلة من نشر الرسالة. أظهرت هذه الحادثة كيف يمكن للمؤسسات الثقافية أن تخضع لضغوط سياسية، وكيف يمكن أن يتحول التوقيع على بيان إلى مخاطرة مهنية.
تكرر هذا السيناريو في مؤسسات أدبية أخرى، حيث استقال عدد من الأعضاء من منظمة “بين أمريكا” احتجاجًا على موقفها المتردد تجاه الأزمة في غزة. أبرزت هذه الاستقالات التوتر بين الالتزام الأخلاقي والحياد المؤسسي، وكيف يمكن أن يؤدي السعي إلى التوازن إلى إضعاف الموقف النقدي.
الصمت كخيار مكلف
لم يكن الصمت خيارًا متاحًا للمثقفين، فقد أدى التعبير عن الرأي، أو حتى عدم التعبير عنه، إلى عواقب وخيمة. وثقت دورية “ذا كرونيكل أوف هاير إيدوكاشن” حالات عديدة لأكاديميين تلقوا تحذيرات إدارية بشأن التعليق على الحرب على غزة، بذريعة “حماية أمن الحرم الجامعي”.
أثارت هذه التحذيرات مخاوف بشأن القيود المفروضة على الحرية الأكاديمية، وحق الأكاديميين في التعبير عن آرائهم حول القضايا السياسية والاجتماعية. وفي ألمانيا، واجهت الفعاليات الثقافية التي تضمنت أصواتًا فلسطينية أو متضامنة معها الإلغاء أو التأجيل، مما يعكس تأثير السياسات الحكومية على تمويل الفنون وحرية التعبير.
اللغة كساحة للصراع
لم تقتصر الحرب على غزة على الصراع العسكري، بل امتدت أيضًا إلى ساحة اللغة. جرت محاولات لتأطير العنف من خلال استخدام مصطلحات محددة، مثل “الدفاع عن النفس” و”الأضرار الجانبية” و”الدروع البشرية”، والتي تحمل حمولة قانونية وأخلاقية كبيرة.
حذرت الكاتبة والأكاديمية جوديث بتلر من أن هذه اللغة يمكن أن تمنح قيمة غير متساوية للأرواح، وأن تحول الموت الفلسطيني إلى أمر عادي، بينما يقدم الموت الإسرائيلي كاستثناء أخلاقي. كما استدعي مفهوم “سياسات الموت” (Necropolitics) الذي طوره أشيل مبيمبي، لشرح كيف يمكن للسلطة الحديثة أن تمارس السيطرة من خلال التحكم في الموت والحياة.
أشارت الفيلسوفة سوزان نيمان إلى أن التفكير الأخلاقي ينهار عندما يختلط الغموض بالتهرب، وهو ما تجلى في تسطيح اللغة وتجنب الوصف الدقيق للمعاناة خلال الحرب على غزة.
مستقبل دور المثقف
تُظهر التطورات المتعلقة بـ”الحرب على غزة” تحولًا بنيويًا في دور المثقف. لم يعد المثقف بطلاً فوق الصراع، ولا يستطيع الانسحاب إلى صمت بلا تبعات. بل أصبح دوره أكثر تواضعًا وصعوبة، حيث يتطلب حراسة الأسئلة، والتمييز بين التضامن والامتثال، ومقاومة التبسيط والتجريد.
من المتوقع أن تستمر الضغوط على المثقفين في التزايد، وأن يواجهوا تحديات جديدة في التعبير عن آرائهم ومواقفهم الأخسية. ومع ذلك، يظل النقد الفكري والالتزام الأخلاقي ضروريين لمواجهة الظلم والدفاع عن القيم الإنسانية.
في الفترة المقبلة، من المهم مراقبة التطورات المتعلقة بحرية التعبير في الأوساط الأكاديمية والثقافية، والتحولات في الخطاب العام حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. كما يجب الانتباه إلى الجهود المبذولة لتعزيز الحوار والتفاهم بين الثقافات المختلفة، وتحدي الروايات المهيمنة التي تسعى إلى تبرير العنف والظلم.












