أنقرة – في تطور جديد يسعى إلى كسر الجمود السياسي في جزيرة قبرص، التقى اليوم الأربعاء رئيس قبرص نيكوس كريستودوليدس والزعيم القبرصي التركي طوفان إرهورمان في مقر إقامة الممثل الخاص للأمم المتحدة في المنطقة العازلة. يمثل هذا اللقاء محاولة لإحياء مفاوضات السلام المتوقفة منذ سنوات، وسط تحديات كبيرة ومعقدة.
جاء اللقاء برعاية مبعوثة الأمم المتحدة الشخصية ماريا أنخيلا هولغوين، كجزء من جهود مستمرة لإيجاد حل شامل للقضية القبرصية. وأكدت هولغوين أنها “غير محبطة” رغم بطء التقدم، مشددة على الطبيعة الديناميكية للعملية السياسية، وأن الحوار المستمر هو أساس أي تقدم مستقبلي.
مقترح تفاوضي جديد لإنعاش عملية السلام في قبرص
قدم الرئيس القبرصي نيكوس كريستودوليدس خلال الاجتماع مقترحًا من خمس نقاط يهدف إلى كسر الجمود واستئناف المفاوضات المتوقفة. يرتكز هذا المقترح على التمسك بالإطار المتفق عليه لحل الدولة الاتحادية الثنائية المناطق والطائفتين، وفقًا لقرارات مجلس الأمن الدولي، مع ضمان المساواة السياسية. كما يشمل المقترح إعداد الأمم المتحدة لسجل رسمي يوثق التفاهمات والخلافات السابقة، وعقد مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة لإطلاق المفاوضات رسميًا.
بالإضافة إلى ذلك، طرح كريستودوليدس مبادرة لفتح أربعة معابر جديدة بين شطري الجزيرة، وألمح إلى استعداد حكومته لاتخاذ خطوات أحادية لتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي للقبارصة الأتراك. وأكد على أهمية إبقاء قنوات التواصل مفتوحة دون انقطاع، حتى في غياب المبعوثة الأممية.
مطالب أساسية من الجانب القبرصي التركي
في المقابل، تمسك الزعيم القبرصي التركي طوفان إرهورمان برؤيته الواضحة لاستئناف العملية السياسية، والتي تتضمن الإقرار غير المشروط بالمساواة السياسية الكاملة للقبارصة الأتراك، وتحديد سقف زمني واضح للمفاوضات، والالتزام بما تم التوصل إليه سابقًا، وتقديم ضمانات بشأن مصير المفاوضات. يرى إرهورمان أن هذه الشروط ضرورية لضمان جدية العملية التفاوضية وتحقيق نتائج ملموسة.
ويرى المحللون السياسيون أن موقف أنقرة يدعم رؤية إرهورمان، وأن تركيا لا ترى مانعًا من استمرار المشاورات طالما أنها لا تمس الكيان القبرصي التركي أو مصالحه الإستراتيجية. ومع ذلك، يشددون على أن القيادة في الجنوب لم تبد يوما ارتياحا لوجود القبارصة الأتراك، وأن النهج ذاته لا يزال قائما.
تحديات تواجه عملية السلام القبرصية
تواجه عملية السلام القبرصية تحديات كبيرة، بما في ذلك الخلافات العميقة حول الإطار السياسي للحل، ومسألة الضمانات الدولية، ووجود القوات التركية في الجزيرة. تتمسك تركيا بحقها في التدخل لحماية القبارصة الأتراك، بينما يطالب الجانب القبرصي اليوناني بانسحاب كامل للقوات التركية. تعتبر قضية اللاجئين أيضًا من القضايا المعقدة التي تتطلب حلاً عادلاً ومنصفًا.
بالإضافة إلى ذلك، يرى البعض أن التدخلات الخارجية، وخاصة من قبل الدول الضامنة (تركيا واليونان والمملكة المتحدة)، قد تعيق التقدم نحو حل شامل. ويرى آخرون أن غياب الثقة المتبادلة بين الطرفين، وتصاعد الخطاب المتطرف، يزيدان من صعوبة التوصل إلى اتفاق.
موقف أنقرة والدول الضامنة
تؤكد أنقرة على أهمية حماية حقوق القبارصة الأتراك، وأن أي حل يجب أن يضمن مشاركتهم المتساوية في السلطة والثروة. كما تشدد على ضرورة وجود آلية ضمان فعالة لمنع تكرار الأحداث التي أدت إلى تقسيم الجزيرة في عام 1974. من جهتها، تدعو اليونان إلى حل يرتكز على مبادئ القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن الدولي، ويضمن وحدة وسيادة قبرص.
تراقب المملكة المتحدة الوضع في قبرص عن كثب، وتدعو إلى استئناف المفاوضات في أقرب وقت ممكن. وتؤكد على أهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار في الجزيرة، وتجنب أي تصعيد قد يعرض المنطقة بأكملها للخطر. تعتبر قضية قبرص من القضايا الحساسة التي تتطلب حلاً سياسيًا شاملًا ومستدامًا.
في ختام اللقاء، اتفق الجانبان على تكليف فريقي التفاوض بترتيب اجتماع ثنائي جديد بين كريستودوليدس وإرهورمان يُعقد خلال الأسبوعين المقبلين دون حضور المبعوثة الأممية، لمواصلة البحث في سبل تفعيل المسار التفاوضي. يبقى مستقبل المفاوضات القبرصية غير واضح، ويتوقف على مدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة وإيجاد حلول مبتكرة للتحديات القائمة. من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة مزيدًا من المشاورات والاتصالات بين الأطراف المعنية، بهدف إيجاد أرضية مشتركة لاستئناف المفاوضات بشكل جاد وفعال.













