تسعى رواية “أغالب مجرى النهر” للروائي الجزائري سعيد خطيبي إلى تقديم قراءة جديدة للذاكرة الوطنية الجزائرية، من خلال تفكيكها وإعادة تشكيلها في سياق ثقافي واجتماعي معقد. صدرت الرواية عن دار نوفل عام 2025، وتتناول فترة حساسة في تاريخ الجزائر، وهي عشية “العشرية السوداء” في التسعينيات، وتسلط الضوء على تأثير تلك الفترة على الهوية الجزائرية.
“أغالب مجرى النهر”: تفكيك الذاكرة والهوية الجزائرية
لا تقتصر الرواية على استعادة أحداث الماضي، بل تتجاوز ذلك إلى طرح أسئلة عميقة حول تشكل الهوية في لحظات الضعف والانكسار. يضع خطيبي القارئ في قلب التحولات الكبرى التي شهدتها الجزائر في تلك الفترة، مستخدماً “العشرية السوداء” كمنطلق لتحليل ثقافي واجتماعي دقيق.
استعارة “مجرى النهر” ودلالاتها الوجودية
يستمد عنوان الرواية، “أغالب مجرى النهر”، قوته من استعارة وجودية عميقة. يمثل “المجرى” حتمية التاريخ وقوة الأحداث الجارفة، بينما تجسد “المغالبة” جهود المثقف والروائي والأفراد المهمشين في محاولة يائسة لاستعادة المعنى من بين الأنقاض. هذه المحاولة ليست سهلة، بل هي صراع مستمر ضد تيار لا يرحم.
يركز خطيبي على الجو الروحي الذي سبق فترة الحرب، بدلاً من وصف المعارك نفسها. إنه يستكشف ثقافة الخوف التي تسللت إلى اللغة، والسلوك، والهندسة المعمارية، وحتى الخطابات الرسمية. الرواية تقدم بذلك تحليلاً نفسياً واجتماعياً عميقاً لما حدث.
تقدم الرواية تأريخاً جمالياً للجزائر في مطلع التسعينيات، حيث كانت الأرض تهتز تحت أقدام السكان. يتحول “مجرى النهر” من معلم جغرافي إلى رمز لقوة تاريخية مدمرة تهدد بابتلاع الجميع. الخوف يصبح هنا عنصراً ثقافياً متغلغلاً في البنية الاجتماعية.
الشخصيات كشواهد على التحولات
تعتمد الرواية على شخصيات تمثل شرائح مختلفة من المجتمع الجزائري، مثل “عزوز” و”عقيلة” و”ياقوت”. هذه الشخصيات ليست مجرد أبطال، بل هي شهود على التحولات القيمية التي كانت تحدث في ذلك الوقت. إنهم يحاولون التكيف مع التغيرات الاجتماعية والأيديولوجية التي اجتاحت الفضاء العام.
يبرز الخوف كشخصية صامتة، تتحكم في الأحداث من وراء الكواليس، وتجعل البحث عن الحقيقة رحلة ضياع في غيوم العاصفة القادمة. هذا الخوف ليس مجرد رد فعل على العنف، بل هو حالة وجودية تعيق القدرة على التفكير والتعبير.
الرواية كتحقيق أنطولوجي
تبدأ الرواية بلمحات بوليسية، لكنها سرعان ما تتجاوز هذا الإطار لتصبح تحقيقاً أنطولوجياً. يستخدم خطيبي القناع البوليسي لجذب القارئ، ثم يكشف له عن تشريح ثقافي ووجودي للمجتمع. التحقيق لا يقتصر على جريمة قتل فردية، بل يمتد إلى “جريمة وأد” وطن وهوية.
تدور أحداث الرواية حول عقيلة تومي، طبيبة عيون تعيش حياة تبدو مستقرة، لكنها سرعان ما تجد نفسها متهمة في قضية جنائية مرتبطة بزوجها الطبيب الشرعي. تتوالى الأحداث وتكشف عن تورط الزوج في شبكة غير قانونية لتجارة الأعضاء البشرية، مما يعرض حياة الأسرة للخطر.
الصمت كاستراتيجية سردية
يعتمد خطيبي على استراتيجية الصمت في السرد، حيث يركز على ما لا يقال في المحاضر الرسمية. هذا التضاد يكشف عن هشاشة العدالة حين تدار بمنطق الاشتباه الدائم. الرواية لا تقدم حلولاً، بل تطرح أسئلة حول السلطة، والجسد، والمعنى.
تتناول الرواية قضايا اجتماعية حساسة، مثل العنف المنزلي، والتواطؤ، وانقطاع التواصل بين الأجيال. تقدم الرواية تصويراً واقعياً للحياة في الجزائر عشية “العشرية السوداء”، وتكشف عن الجراح العميقة التي خلفتها تلك الفترة. الرواية تسلط الضوء على مفهوم **الذاكرة الجماعية** وكيف يمكن تشويهها أو استغلالها.
نظرة إلى المستقبل
من المتوقع أن تثير رواية “أغالب مجرى النهر” نقاشاً واسعاً حول قضايا الهوية والذاكرة في الجزائر. من المرجح أن يتم تحليل الرواية من قبل النقاد والباحثين، وأن تصبح مادة دراسية في الجامعات. يبقى أن نرى كيف ستساهم هذه الرواية في إعادة قراءة التاريخ الجزائري، وفي فهم التحديات التي تواجه المجتمع الجزائري اليوم. الرواية تفتح الباب أمام المزيد من الأعمال الأدبية التي تتناول هذه الفترة الحساسة من تاريخ الجزائر، وتساهم في بناء **وعي تاريخي** مشترك.













