دخلت المعارك في السودان مرحلة جديدة بعد عودة ولاية النيل الأزرق إلى دائرة القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية-شمال. وتُظهر هذه الاشتباكات تصعيدًا في الصراع، حيث تسعى قوات الدعم السريع إلى توسيع نطاق سيطرتها، بينما يحاول الجيش استعادة الاستقرار في المنطقة. وتُعد ولاية النيل الأزرق جبهة قتال جديدة، لكن محللين يرون أنها قد تكون محاولة لتشتيت الانتباه عن مناطق أخرى.
تتسم ولاية النيل الأزرق بأهمية استراتيجية كبيرة، فهي منطقة حدودية مع إثيوبيا وجنوب السودان، وتشكل ممرًا حيويًا للحركة التجارية والتهريب. هذا الموقع يجعل السيطرة عليها ذات أبعاد عسكرية وسياسية وإقليمية. وتتسبب المواجهات المستمرة في السودان في نزوح واسع للسكان، وتعطيل الخدمات الأساسية، وتفاقم الأزمة الإنسانية، خاصة في المناطق الريفية التي تعاني بالفعل من هشاشة البنية التحتية.
ولاية إستراتيجية
تتزامن معارك النيل الأزرق مع محاولات من الجيش وقوات الدعم السريع للسيطرة على مواقع استراتيجية ومفترقات طرق حيوية في إقليمي دارفور وكردفان. أعلن الجيش، يوم الاثنين الماضي، استعادة السيطرة على منطقة السِّلِك في ولاية النيل الأزرق، والتي كانت تحت سيطرة قوات الدعم السريع والحركة الشعبية. وتصاعدت الاشتباكات يوم الأحد الماضي، حيث تصدى الجيش لهجوم شنته “الدعم السريع” والحركة الشعبية على منطقتي السِّلِك وملكن في الولاية، وفقًا لمصادر عسكرية.
يتحكم الجيش حاليًا في أجزاء كبيرة من الولاية، بينما تواصل الحركة الشعبية-شمال قتالها ضد الحكومة منذ عام 2011، مطالبة بحكم ذاتي في جنوب كردفان والنيل الأزرق. وفي يونيو 2025، تمكن الجيش من هزيمة قوات الدعم السريع في مناطق بنيل الأزرق، مما أدى إلى انسحاب الأخيرة إلى مناطق حدودية مع إثيوبيا وجنوب السودان.
تحركات حدودية
يرى الخبير العسكري اللواء المتقاعد معتصم عبد القادر أن معارك النيل الأزرق كانت مُعدة مسبقًا، وأن قوات الدعم السريع والحركة الشعبية-شمال أعدت لهذه العمليات من خلال إنشاء مطارات عسكرية وتوفير الإمدادات اللوجستية. وأضاف أن هذه التحركات تهدف إلى تشتيت جهود الجيش عن عملياته في ولايات كردفان ودارفور.
منذ أكتوبر 2025، سيطرت قوات الدعم السريع على معظم مناطق إقليم دارفور. ونتيجة لذلك، تشهد ولايات كردفان اشتباكات ضارية بين الجيش والدعم السريع، مما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من السودانيين. يسيطر الجيش على معظم الولايات الـ13 المتبقية، بما في ذلك العاصمة الخرطوم.
وأشار عبد القادر إلى أن الجيش قد اتخذ خطوات استباقية من خلال تعزيز قواته في النيل الأزرق، وتحديدًا الفرقة الرابعة مشاة في الدمازين، مما ساعده على صد هجمات الدعم السريع والحركة الشعبية. ومع ذلك، فإن الوضع لا يزال معقدًا بسبب التحديات اللوجستية والحدودية.
تداعيات إقليمية
تُثير الاشتباكات في النيل الأزرق مخاوف بشأن تداعياتها الإقليمية، خاصة مع وجود حركات مسلحة متمردة وتداخل المصالح الإقليمية. ويؤكد عبد القادر أن النيل الأزرق منطقة مغلقة، مما يجعل الإمداد العسكري صعبًا، وأن أي دعم من إثيوبيا للدعم السريع أو الحركة الشعبية قد يؤدي إلى تورطها في الصراع. كما أشار إلى أن تسرب السلاح من السودان إلى جنوب السودان يزيد من تعقيد الوضع في جنوب السودان، حيث تشهد البلاد تصعيدًا عسكريًا ينذر بعودة الحرب الأهلية.
الأزمة في السودان تتفاقم، وتزيد من معاناة المدنيين. وتشير التقارير إلى أن الوضع الإنساني يزداد سوءًا، مع نقص حاد في الغذاء والدواء والمياه. وتشكل الوضع الإنساني تحديًا كبيرًا للمجتمع الدولي.
من المتوقع أن يستمر القتال في النيل الأزرق ودارفور وكردفان في المدى القصير. وستعتمد التطورات المستقبلية على قدرة الأطراف المتنازعة على التوصل إلى حل سياسي، وعلى تدخل الوساطاء الإقليميين والدوليين. وستظل الأوضاع في السودان غير مستقرة حتى يتم تحقيق تسوية شاملة تعالج جذور الصراع وتضمن الأمن والاستقرار للجميع.













