كشف تحليل عسكري حديث عن توسع ملحوظ في المناطق التي تسيطر عليها قوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، مما يثير مخاوف بشأن سعي إسرائيل لفرض “واقع استراتيجي” دائم. ويشير هذا التوسع، الذي يتجلى في تغييرات مستمرة في ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، إلى تداعيات خطيرة على حياة الفلسطينيين ويزيد من تعقيد الوضع الإنساني والأمني في القطاع.
وأكد العميد إلياس حنا، خبير عسكري، في تحليله للجزيرة، أن هذه التغييرات في إحداثيات “الخط الأصفر” تمثل “زحفًا” خطيرًا، حيث يصبح الفلسطينيون أهدافًا مشروعة بمجرد تجاوز هذا الخط، دون أي إشعار مسبق أو ضرورة واضحة. هذا التطور يفاقم من حالة عدم اليقين والخوف التي يعيشها السكان.
تغيير إحداثيات الخط الأصفر وتداعياته على غزة
أشار العميد حنا إلى أن التغييرات في “الخط الأصفر” (منطقة التماس) ليست عشوائية، بل هي عملية “قضم” مُمنهجة للمساحات السكنية الفلسطينية. يجد الفلسطينيون أنفسهم في وضع مأساوي، حيث ينامون في مكان ويعلمون أنهم قد يستيقظون في اليوم التالي ليجدوا أنفسهم داخل منطقة تسيطر عليها إسرائيل، وبالتالي معرضين للخطر.
نطاق التوسع الإسرائيلي
وبحسب التحليل، نقلت الخريطة الجديدة 205 وحدة سكنية من تصنيف منطقة التماس إلى تصنيف السيطرة العسكرية، مع توغل إضافي بعمق 920 مترًا داخل قطاع غزة. هذا التوغل رفع نسبة سيطرة الاحتلال في مناطق مثل جباليا وحي التفاح وبيت لاهيا من 53% إلى 61%.
بالإضافة إلى ذلك، لفت حنا إلى غياب “البلوكات الصفراء” في منطقة رفح، مما يزيد من تعقيد الوضع الميداني والإنساني هناك، ويسهم في ارتفاع عدد الضحايا المدنيين. هذا الغياب يجعل السكان أكثر عرضة للخطر، خاصة عند محاولة الاقتراب من الخطوط المتغيرة أو تجاوزها.
وقد أدى هذا الوضع بالفعل إلى استشهاد 483 فلسطينيًا، أغلبهم من النساء والأطفال، نتيجة محاولات الاقتراب من هذه الخطوط أو اختراقها، وفقًا لمصادر طبية في غزة.
لا يقتصر الأمر على السيطرة على المناطق، بل تقوم القوات الإسرائيلية أيضًا بـ”تسطيح” المباني بنسب تصل إلى 95% في بعض المناطق، بهدف إنشاء مناطق رؤية مفتوحة وتأمين نقاطها العسكرية الخرسانية. هذا التدمير المنهجي يحول شمال القطاع وشرقه إلى منطقة محظورة جغرافيًا، مما يعيق حركة السكان ويؤثر على حياتهم اليومية.
تدمير البنية التحتية وتأثيره الإنساني
وتشير تقارير دولية، نشرتها صحيفة نيويورك تايمز، إلى أن الجيش الإسرائيلي تسبب في تدمير أكثر من 2500 مبنى ومنشأة في المنطقة الصفراء، خاصة في بيت لاهيا وبيت حانون والشجاعية وخزاعة وخان يونس. هذا التدمير الواسع النطاق أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في غزة، حيث يفتقر السكان إلى المأوى والغذاء والرعاية الصحية.
على الرغم من رصد وجود 13 موقعًا عسكريًا إسرائيليًا جديدًا من المنشآت الخرسانية داخل القطاع، وفقًا لصحيفة هآرتس، إلا أن الخبير العسكري استبعد وجود خطر وشيك من هذا الحضور العسكري في المناطق التي يعتبر فيها الوجود الإسرائيلي مؤقتًا.
ويرى حنا أن هذه الإجراءات تمثل “استباقًا للحلول السياسية”، حيث تسعى إسرائيل إلى فرض واقع ميداني قبل تشكيل أي لجان وطنية أو دولية لحفظ الاستقرار. هذا السعي لفرض الواقع قد يعيق الجهود المبذولة للتوصل إلى حل سياسي دائم للصراع.
في تطورات ميدانية أخرى، أفادت مصادر في مستشفيات غزة عن استشهاد 11 شخصًا اليوم الأربعاء، جراء تصعيد إسرائيلي جديد شمل استخدام الرصاص الحي وقذائف المدفعية والطيران المسيّر.
وشمل الاستهداف مقتل ثلاثة صحفيين كانوا في مهمة لتوثيق “تدشين” مخيم جديد للنازحين داخل سيارة تابعة للجنة الإغاثة المصرية في منطقة “نتساريم” (الزهراء) جنوبي مدينة غزة. كما استشهد ثلاثة فلسطينيين من عائلة واحدة بقصف مدفعي شرقي مخيم البريج، بالإضافة إلى طفل في قصف مماثل شرقي دير البلح.
الوضع في غزة يظل متقلبًا للغاية، مع استمرار التوترات وتصاعد العنف. من المتوقع أن تستمر إسرائيل في تنفيذ عملياتها العسكرية في القطاع، مما يزيد من المخاوف بشأن سلامة المدنيين. يجب مراقبة تطورات الوضع عن كثب، وخاصة أي مبادرات جديدة للتوصل إلى وقف إطلاق النار أو حل سياسي للصراع.













