تنفست الأسواق الأوروبية والعالمية الصعداء، ولو مؤقتًا، بعد تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تهديده بفرض رسوم جمركية إضافية على الدول الأوروبية، في خطوة أنهت تصعيدًا تجاريًا دام أسابيع. هذا التطور يضع حدًا لتوترات أثرت على حجم التجارة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويُثير تساؤلات حول مستقبل العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي.
جاء هذا التراجع بعد خلاف سياسي متصاعد حول جزيرة غرينلاند، والذي هدد بتحويله إلى أزمة تجارية شاملة. وقد أعربت المفوضية الأوروبية عن قلقها البالغ، مؤكدةً على أهمية الحفاظ على استقلال القرار الاقتصادي للاتحاد وحماية مصالحه التجارية في مواجهة الضغوط الأمريكية.
التجارة بين الولايات المتحدة وأوروبا: حجم التبادل والمخاطر
تكتسب هذه التوترات أهمية خاصة نظرًا للحجم الهائل للتبادل التجاري بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. في عام 2024، بلغ حجم التجارة بينهما حوالي تريليوني دولار، مما يجعلها أكبر علاقة تجارية في العالم.
ووفقًا للأرقام الرسمية، صدّر الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة ما يقارب 624 مليار دولار، بينما استورد منها حوالي 400 مليار دولار. هذا يعكس فائضًا تجاريًا أوروبيًا يقدر بنحو 224 مليار دولار، وهو ما استغله الرئيس ترامب لتبرير تهديداته بفرض رسوم جمركية.
تشمل الصادرات الأوروبية الرئيسية إلى الولايات المتحدة المنتجات الصيدلانية والطبية، والسيارات وقطع الغيار، والآلات والمعدات الصناعية. هذه القطاعات تعتبر حيوية للاقتصاد الأوروبي وتوفر ملايين فرص العمل.
في المقابل، تستورد أوروبا من الولايات المتحدة منتجات البترول ومشتقاته، وآلات ومعدات توليد الطاقة، وقطع غيار الطائرات. هذه السلع تعتبر ضرورية لقطاعات الطاقة والنقل والصناعة الأوروبية.
التهديدات الجمركية وتداعياتها المحتملة
هدد الرئيس ترامب بفرض رسوم جمركية تبدأ بنسبة 10% على الواردات الأوروبية، مع إمكانية زيادتها إلى 25%. هذه الخطوة اعتبرها مراقبون تصعيدًا جديدًا في “الحرب التجارية” بين الجانبين، بعد الرسوم التي فرضها البيت الأبيض في العام الماضي.
ويرى خبراء اقتصاديون أن فرض هذه الرسوم سيؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع، وتقليل حجم التجارة، وإلحاق أضرار بسلاسل الإمداد العالمية. كما قد يؤثر سلبًا على النمو الاقتصادي في كل من الولايات المتحدة وأوروبا.
أوراق الضغط الأوروبية والردود المحتملة
على الرغم من استخدام الولايات المتحدة لفائضها التجاري كورقة ضغط، يعتقد الأوروبيون أن لديهم أدوات ردع فعالة. من بين هذه الأدوات قانون مكافحة الإكراه الاقتصادي الذي أقره الاتحاد الأوروبي في عام 2023، والذي يسمح لبروكسل باتخاذ إجراءات مضادة ضد أي دولة تستخدم التجارة للضغط السياسي.
بالإضافة إلى ذلك، قد يلجأ الاتحاد الأوروبي إلى فرض رسوم جمركية مقابلة على المنتجات الأمريكية، أو إلى اتخاذ قيود تنظيمية على الشركات الأمريكية العاملة في السوق الأوروبية. هذه الإجراءات قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد في التوترات التجارية.
السلاح المالي: خيار أخير ذو مخاطر عالية
يمتلك الاتحاد الأوروبي أوراق ضغط مالية قوية، حيث تحتفظ دوله بسندات خزانة أمريكية بقيمة تقدر بنحو 3.6 تريليونات دولار. استخدام هذا “السلاح المالي” قد يعني ابتعاد أوروبا تدريجيًا عن أسواق وول ستريت والتوجه نحو بدائل أخرى.
ومع ذلك، يحذر الخبراء من أن هذا السيناريو قد يكون له تداعيات عميقة على النظام المالي العالمي، وقد يؤدي إلى عدم الاستقرار في الأسواق المالية. كما قد يدفع إلى إعادة هيكلة العلاقات التجارية والمالية الدولية.
على الرغم من أن تراجع ترامب عن تهديداته الجمركية قد أمن فترة من الهدوء، إلا أن الخلافات الأساسية بين واشنطن وبروكسل لا تزال قائمة. من المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة مزيدًا من المفاوضات والتوترات، في محاولة لإيجاد حلول دائمة تعالج اختلالات العلاقة التجارية. يجب مراقبة تطورات هذه المفاوضات عن كثب، خاصةً مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نهاية العام، والتي قد تؤثر على مسار هذه العلاقات.













