لطالما شكل التحكم الدقيق في التركيب الجزيئي تحديًا كبيرًا في مجال الكيمياء، وخاصةً فيما يتعلق بإنتاج الأدوية. اكتشاف جديد من جامعة سانت أندروز في اسكتلندا يقدم حلاً مبتكرًا لهذه المشكلة، حيث تمكن الباحثون من تطوير طريقة للتحكم في عملية “إعادة ترتيب ويتغ” لإنتاج المركبات الكيرالية بشكل انتقائي، مما يفتح آفاقًا جديدة لإنتاج أدوية أكثر فعالية وأمانًا.
هذا الإنجاز، الذي أُعلن عنه في 20 يناير 2026، يمثل تقدمًا هامًا في الكيمياء العضوية، ويعد بتغيير جذري في كيفية تصنيع الأدوية والمواد الكيميائية المعقدة. الفريق البحثي استخدم محفزًا ذكيًا، أطلقوا عليه اسم “إمينوفوسفوران ثنائي الوظيفة”، لتحقيق هذا التحكم الدقيق.
التحكم في المركبات الكيرالية: تحدٍ تاريخي
تعتبر المركبات الكيرالية، وهي جزيئات لا تتطابق مع صورتها المرآتية، ذات أهمية خاصة في صناعة الأدوية. غالبًا ما تمتلك إحدى هذه الصور المرآتية (أو المتصاوغات المرآتية) التأثير العلاجي المطلوب، بينما قد تكون الأخرى غير فعالة أو حتى ضارة. تكمن الصعوبة في إنتاج هذه المركبات بشكل نقي، أي الحصول على المتصاوغ المرآتي المطلوب فقط.
عملية “إعادة ترتيب ويتغ”، التي اكتُشفت منذ أكثر من 80 عامًا، كانت تستخدم لإعادة ترتيب الذرات داخل هذه الجزيئات. ومع ذلك، كانت هذه العملية غالبًا ما تنتج خليطًا من المتصاوغات المرآتية، مما يتطلب خطوات تنقية إضافية ومكلفة. هذا الخليط يقلل من كفاءة الإنتاج ويزيد من احتمالية وجود آثار جانبية غير مرغوبة.
آلية العمل الجديدة
يختلف النهج الجديد الذي اتبعه فريق سانت أندروز بشكل كبير. بدلاً من إنتاج خليط ثم فصله، يتيح المحفز “إمينوفوسفوران ثنائي الوظيفة” التحكم في “يد الجزيء” منذ بداية التفاعل وحتى نهايته. يعمل المحفز كنوع من “المدرب” الذي يوجه التفاعل لإنتاج المتصاوغ المرآتي المطلوب فقط.
وفقًا للدراسة المنشورة في دورية “نيتشر كيمستري”، حقق الباحثون نجاحًا ملحوظًا، حيث أنتجوا أكثر من 97% من الجزيئات الكيرالية بالصورة المطلوبة. هذا المستوى العالي من الانتقائية يقلل بشكل كبير من الحاجة إلى عمليات التنقية المعقدة، ويحسن من كفاءة الإنتاج.
تأثيرات محتملة على صناعة الأدوية والمواد المتقدمة
يؤكد البروفيسور أندرو سميث، قائد فريق البحث، أن هذا الاكتشاف يغير طريقة فهمنا للتحكم في الجزيئات الكيرالية. وأضاف في تصريح: “هذا يفتح الطريق لصناعة أدوية ومواد معقدة بطريقة أسرع وأنظف وأكثر دقة.”
يشير الدكتور ماثيو غرايسون من جامعة باث، المشارك في الدراسة، إلى أن هذه الطريقة تسمح بتصميم تفاعلات كيميائية دقيقة لم تكن ممكنة من قبل. هذا التطور يمكن أن يؤدي إلى اكتشاف وتطوير مواد جديدة ذات خصائص فريدة، بالإضافة إلى تحسين الأدوية الحالية.
تعتبر الكيمياء الانتقائية، أو التحكم في الناتج الكيميائي بدقة، مجالًا متناميًا في البحث العلمي. هذا الاكتشاف يمثل خطوة كبيرة نحو تحقيق هذا الهدف، ويمكن أن يكون له تأثير كبير على العديد من الصناعات، بما في ذلك صناعة البوليمرات والمواد الحيوية.
من المتوقع أن يستمر البحث في هذا المجال لتوسيع نطاق تطبيق هذه الطريقة على مجموعة متنوعة من المركبات الكيرالية. سيراقب العلماء عن كثب التقدم المحرز في تطوير محفزات جديدة وأكثر كفاءة، بالإضافة إلى استكشاف طرق لتبسيط عملية الإنتاج وتخفيض التكاليف. من المرجح أن نشهد خلال السنوات القليلة القادمة المزيد من التطورات المثيرة في هذا المجال، مما قد يؤدي إلى ثورة في صناعة الأدوية والمواد المتقدمة.













